ميرنا صابر – خاص الأفضل نيوز
خلال أيام قليلة، امتلأت صفحات اللبنانيين على مواقع التواصل الاجتماعي بصور لم تُلتقط فعلياً قبل أربعين عاماً. تسريحات شعر ضخمة، ملابس بألوان تعيد أصحابها إلى أجواء الثمانينات، وصور بدت أحياناً وكأنها خرجت فعلاً من ألبوم عائلي قديم.
الفكرة كانت بسيطة ومغرية. صورة شخصيّة مع "برومت" موحّد للذكاء الاصطناعي، وثوانٍ قليلة كفيلة بأن يرى المستخدم نفسه وكأنه عاش شبابه في الثمانينات. البعض نشر النتيجة للمزاح، آخرون قارنوها بصور أهلهم، وسرعان ما تحولت صفحات كثيرة إلى رحلة جماعيّة نحو زمن لم يعشه أصلاً جزء كبير من المشاركين.
لكن خلف الصور والتعليقات الطريفة، هناك جانب آخر من القصة. فالصورة التي نرفعها للحصول على نتيجة مسليّة هي في النهاية جزء من بيانات نشاركها مع أدوات ومنصات رقميّة، تماماً كما نفعل يومياً، وربما من دون أن نتوقف كثيراً عند هذه النقطة.
وفي هذا الإطار، أوضح المحلل الاقتصادي والتكنولوجي باسل الخطيب في حديثه لـ"الأفضل نيوز" أنّ: "نشر المعلومات والصور عبر الإنترنت يعني أساساً الدخول في حالة من الانكشاف الرقمي. البيانات التي نرفعها من صور وخبريات واستفسارات تجعل الخصوصيّة مخترقة باستمرار. حتى الهواتف الذكيّة والتطبيقات التي نستخدمها يومياً تتطلب منا الموافقة على شروط سياسة الخصوصيّة، وبمجرد الموافقة نكون قد منحنا هذه الأنظمة الإذن بالوصول إلى معظم بياناتنا ومعلوماتنا الشخصيّة".
في الواقع، لا تبدأ القصة مع "تراند الثمانينات"، ولا تنتهي عنده. نحن نوثّق يومياً جزءاً كبيراً من حياتنا على الإنترنت: الأماكن التي نزورها، ما نأكله، الأشخاص الذين نلتقي بهم، أماكن عملنا، وأحياناً تفاصيل أكثر خصوصية، من مشاكل شخصية إلى معلومات صحيّة. وفي هذا السياق، أكد الخطيب أن: "عندما نحدد موقعنا أو نشارك تفاصيل يومياتنا والأشخاص المحيطين بنا، فنحن لا نضر أنفسنا بضرر مباشر إذا لم يكن لدينا ما نخفيه، ولكننا نسهّل ونسرّع عمليّة الانكشاف المعلوماتي للأنظمة الذكيّة".
وما يجعل "تراند الثمانينات" لافتاً ليس فقط عدد المشاركين فيه، بل أيضاً سهولة الوصول إلى نتيجة كانت تحتاج قبل سنوات إلى وقت وبرامج وخبرة في تعديل الصور. اليوم، كل ما يحتاجه المستخدم تقريباً هو صورة ووصف لما يريده، والباقي تتولى الأداة تنفيذه خلال ثوانٍ.
ويشرح الخطيب لـ"الأفضل نيوز" أن: "الذكاء الاصطناعي ليس مفهوماً حديث الولادة، فنحن نشهد ثورته منذ إطلاق محركات البحث قبل أكثر من عقدين. إلا أننا خلال السنوات الأربع أو الخمس الأخيرة، نعيش مرحلة الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI)، والذي أظهر قدرات فائقة في توليد الصور، الفيديوهات، المقالات، والتصاميم من الخيال".
أما المرحلة المقبلة، فيرى الخطيب أنها ستكون أكثر تقدماً، ويقول: "نحن نتجه بخطى متسارعة نحو الذكاء الاصطناعي الخارق أو العام، وإذا كان الذكاء التوليدي الحالي بصلابته وقدرته على توليد محتوى كامل يُحدث كل هذا التأثير، فإن الذكاء العام القادم سيكون أشد قوة وتأثيراً، ولا يمكن لأي خيارات حظر أو إعدادات أمان أن تمنع هذا التطور التقني القادم".
هنا تصبح المسألة أكبر من مجرد قرار بالمشاركة في "تراند" أو تجاهله. فالذكاء الاصطناعي بات موجوداً في الهواتف ومحركات البحث والعمل والإعلام والتسويق، ومع توسعه يصبح التعامل معه جزءاً من الحياة الرقميّة اليوميّة. والسؤال الذي يطرح نفسه أكثر فأكثر هو: ما الذي نريد مشاركته مع هذه الأدوات، وما الذي نفضّل الاحتفاظ به لأنفسنا؟
الخطيب، من جهته، لا يدعو إلى الابتعاد عن التكنولوجيا، بل إلى التعامل معها بمسؤولية، قائلاً: "أنصح جميع المستخدمين بضرورة مواكبة التطور المستمر في مجال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، والابتعاد تماماً عن استخدام هذه الأدوات في أغراض سيئة مثل التشهير أو فبركة الفيديوهات والأخبار الكاذبة، لأن هذه الممارسات تنعكس سلباً على أصحابها في نهاية المطاف".
بعد أيام، قد تختفي صور الثمانينات من الصفحات ويحل مكانها "تراند" جديد، كما يحدث دائماً على مواقع التواصل. لكن هذه المرة، ربما تستحق الصورة قبل رفعها سؤالاً بسيطاً: هل نعرف فعلاً ماذا يحدث لها بعد أن نضغط "إرسال"؟

