طارق ترشيشي - خاصّ الأفضل نيوز
تدخل منطقة الشرق الأوسط، ولبنان في قلبها، أسابيع حاسمة تسبق انتخابات الكنيست في 27 تشرين الأول والانتخابات النصفية الأميركية في 3 تشرين الثاني. وفي هذه الفترة لن يكون السؤال فقط : من ينتصر في الحرب؟ بل من يستطيع منع خصمه من تحويل الحرب إلى انتصار انتخابي وسياسي؟
نتنياهو، في تقدير أوساط ديبلوماسية، يريد دخول الانتخابات بصورة الرجل الذي هزم إيران وأعاد رسم ميزان القوى في المنطقة، وترامب يريد الوصول إلى الانتخابات النصفية وقد دفع طهران إلى تسوية بشروطه، فيما تريد إيران الصمود حتى ما بعد الانتخابات حتى لا تمنح ترامب نصراً يحتاج إليه داخلياً، ويريد حزب الله بدوره أن لا يقدم لنتنياهو ما يستطيع استثماره في صناديق الاقتراع. ولهذا تبدو المنطقة أمام حرب إرادات مؤجلة الحسم.
فإدارة ترامب تراهن على إضعاف إيران إلى حد دفع نظامها إلى الانهيار أو الاستسلام، ونتنياهو يرفع سقف رهانه بالحديث عن سقوط النظام "قريباً". لكن إسقاط نظام سياسي لا يتحقق بتدمير المنشآت وحدها، ولذلك يبقى السيناريو الأكثر ترجيحاً هو إيران أضعف عسكرياً واقتصادياً، لكنها ما تزال متماسكة وقادرة على القتال والتفاوض. وهذه تحديداً هي النتيجة التي لا يريدها نتنياهو ولا ترامب؛ فإيران الضعيفة ولكن الصامدة تحرم نتنياهو من "النصر الكامل" الذي يحتاج إليه، وتحرم ترامب من إجبارها على تقديم تنازل كبير يمكن تسويقه انتخابياً. لذلك سيبقى الضغط الأميركي والإسرائيلي مرشحاً للتصاعد، لكن من دون أن يعني ذلك بالضرورة الذهاب إلى حرب بلا سقف.
ترامب، بحسب الأوساط الديبلوماسية نفسها، يريد من إيران تنازلاً قبل الانتخابات، لا حرباً تستنزفه قبلها، وهو يدرك أن استمرار الحرب وارتفاع أسعار الطاقة وتداعياتها الاقتصادية يمكن أن تتحول إلى عبء انتخابي على الجمهوريين. لذلك سيكون هدفه رفع كلفة الصمود الإيراني إلى الحد الذي يجعل التسوية أقل كلفة على طهران من مواصلة الحرب، مع إبقاء التهديد بإضعاف بنيتها الحيوية وإسقاط نظامها أداة ضغط قصوى.
لكن طهران تعرف أن الوقت قد يعمل لمصلحتها، فإذا وصلت إلى الانتخابات الأميركية من دون انهيار داخلي أو استسلام، فإن ترامب سيجد نفسه أمام حرب طويلة أو أمام تسوية هو مضطر إلى دفع ثمنها، ولذلك من غير المتوقع أن تقدم إيران هدية انتخابية للرئيس الأميركي ما لم تحصل في المقابل على مكاسب وضمانات تعادل ما ستقدمه.
أما نتنياهو، فهو أمام معادلة أكثر ضيقاً؛ فهو يحتاج إلى إنجاز قبل 27 تشرين الأول، ولا يكفيه أن يقول إن الحرب مستمرة؛ لذلك سيبحث عن نصر قابل للعرض على الناخب الإسرائيلي: ضربة استراتيجية لإيران، إضعاف واضح لقدراتها، أو مكسب نوعي في لبنان.
ومن هنا تأتي أهمية الجنوب اللبناني. فالسيطرة العملياتية الإسرائيلية على تلة علي الطاهر ليست مجرد تطور ميداني، إنها اختبار لما إذا كانت إسرائيل ستكتفي بفرض واقع أمني متقدم، أم ستستخدم الموقع منصة للتقدم شمالاً، وهنا تصبح النبطية مؤشر الإنذار الأهم؛ فإذا توقفت إسرائيل عند تلة علي الطاهر، يبقى التطور في إطار الضغط العسكري وتحسين شروط التفاوض، أما إذا بدأت بتطويق النبطية أو التقدم في اتجاهها، فسيكون ذلك دليلاً على انتقال إسرائيل إلى مرحلة إعادة رسم جغرافيا الجنوب بالقوة، وربما استثمار الحرب في إيران لخدمة معركة نتنياهو الانتخابية.
وهذا ما يحاول حزب الله منعه تحديداً. فهو لا يريد، وفق منطقه السياسي، أن يمنح نتنياهو صورة النصر التي يحتاج إليها، لذلك فإن الخيار الأكثر ترجيحاً أمامه هو الحفاظ على القدرة على الردع من دون الانجرار إلى حرب شاملة، فالرد المحسوب يبقي إسرائيل تحت الضغط، فيما الحرب المفتوحة قد تمنح نتنياهو ما يبحث عنه وتتيح له تقديم نفسه للناخب الإسرائيلي باعتباره "قائد الحرب والانتصار".
ومن هنا تتوقع الأوساط الديبلوماسية، أن تسود حتى الانتخابات معادلة دقيقة: إسرائيل تضرب من دون الذهاب إلى حرب شاملة، حزب الله يرد من دون فتح حرب مفتوحة، إيران تصمد من دون تقديم تنازل، وترامب يرفع الضغط من دون تحمل كلفة حرب لا تنتهي.
لكن هذه المعادلة هشة، ضربة نوعية، اغتيال شخصية قيادية، خسائر إسرائيلية كبيرة، انهيار مفاجئ في الوضع الإيراني، أو تقدم إسرائيلي نحو النبطية يمكن أن يخرج الجميع من "التصعيد المحسوب" إلى الحرب المفتوحة.
وفي لبنان، يتزامن هذا المسار العسكري مع مسار سياسي أميركي يستحق التوقف عنده، يتمثل في زيارة السفير ميشال عيسى لنائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب، فاختيار المجلس الشيعي كمحطة للحوار في هذا التوقيت يمكن قراءته باعتباره محاولة أميركية لمخاطبة البيئة الشيعية لا حزب الله وحده، والبحث عن صيغة تفصل بين مستقبل الطائفة ومستقبل السلاح. لكن نجاح هذا المسار سيبقى رهناً بسؤال واحد: ماذا تستطيع واشنطن أن تقدم للشيعة مقابل التخلي عن مظلة السلاح؟ فإذا بقيت إسرائيل تقصف وتتقدم، سيكون من الصعب إقناع البيئة الشيعية بأن الدولة قادرة على حمايتها؛ أما إذا اقترن الضغط على حزب الله بانسحاب إسرائيلي وضمانات أمنية ودعم الجيش وإعادة إعمار الجنوب، فقد يبدأ مسار سياسي مختلف. وهنا تلتقي الجبهتان: الميدان والسياسة، إسرائيل تحاول تحسين شروطها على الأرض، وواشنطن تحاول فتح شروط جديدة في السياسة، والنجاح الأميركي يتوقف على أن لا يبدو الحوار السياسي مجرد غطاء للضغط العسكري.
أما الانتخابات الأميركية فستكون لحظة فاصلة. إذا حافظ الجمهوريون على السيطرة في الكونغرس، سيخرج ترامب أقوى وأكثر قدرة على مواصلة الضغط على إيران وإعادة تشكيل الإقليم في السنتين المتبقيتين من ولايته، أما إذا خسروا فسيدخل ترامب النصف الثاني من ولايته رئيساً أكثر ضعفاً في الداخل، وقد يصبح أكثر حاجة إلى صفقة خارجية كبرى تعيد الاعتبار إليه، أو أكثر حذراً من مغامرة عسكرية جديدة.
وبالمثل، فإن نتيجة انتخابات الكنيست ستحدد هامش نتنياهو. فالفوز سيمنحه تفويضاً لمواصلة سياسة القوة وربما الانتقال إلى ترتيبات إقليمية أوسع، أما الخسارة فقد تفتح باباً إسرائيلياً جديداً وتضع حداً لمحاولة تحويل الحرب إلى رصيد شخصي وسياسي.
أما إيران، فمصيرها هو العامل الذي يمكن أن يقلب كل الحسابات، بقاء النظام، ولو ضعيفاً، يعني استمرار النزاع والتفاوض، سقوطه يعني إعادة تشكيل المنطقة بكاملها، وسيكون حزب الله أول المتأثرين، لكن حتى سقوط النظام لا يعني تلقائياً سقوط الحزب، فالحزب يمتلك بنية سياسية واجتماعية وعسكرية لبنانية، وقد يحاول إعادة تعريف دوره والانتقال من موقع القوة الإقليمية إلى موقع القوة السياسية الداخلية، ولذلك فإن الاحتمال الأكثر ترجيحاً حتى أوائل تشرين الثاني هو أن لا يحسم أي طرف الحرب كلياً، بل أن يحاول الوصول إلى الانتخابات وهو في أفضل وضع تفاوضي ممكن: نتنياهو يحتاج إلى إنجاز، ترامب يحتاج إلى تنازل إيراني، إيران تحتاج إلى الصمود، وحزب الله يحتاج إلى منع إسرائيل من تحقيق إنجاز انتخابي.
وفي قلب هذه المعادلة يقف لبنان. فإذا بقيت إسرائيل عند تلة علي الطاهر، تبقى إمكانية التسوية قائمة، وإذا تقدمت نحو النبطية، يرتفع خطر الحرب إلى مستوى مختلف، وإذا صمدت إيران، بقي حزب الله لاعباً لا يمكن تجاوزه. وإذا ضعفت طهران بشدة، سيتضاعف الضغط على الحزب، وإذا حصل ترامب على تفويض انتخابي جديد، فقد يبدأ مسار فرض تسوية إقليمية؛ وإذا خرج ضعيفاً، فقد تصبح المنطقة أكثر اضطراباً.
لهذا فإن الفترة حتى 3 تشرين الثاني ليست مجرد مرحلة انتظار انتخابي، بل مرحلة تحديد لمن سيمسك بمفتاح التسوية بعد الانتخابات. والخلاصة الأكثر حسماً هي أن أياً من الأطراف الأربعة لا يريد أن يمنح خصمه الانتصار الذي يحتاج إليه قبل انتخاباته. وهذا قد يكون سبباً في استمرار التصعيد المضبوط، لكنه في الوقت نفسه يجعل خطر الانفجار أكبر، لأن كل طرف قد يعتقد أن ضربة واحدة إضافية كفيلة بتغيير ميزان القوى.
أما لبنان، فعليه أن يراقب ثلاثة مؤشرات: اتجاه إسرائيل بعد تلة علي الطاهر، قدرة إيران على الصمود حتى الانتخابات الأميركية، وهامش الحركة الذي سيبقى لترامب بعد 3 تشرين الثاني. هذه المؤشرات ستحدد إلى حد كبير ما إذا كان لبنان ذاهباً إلى تسوية جديدة أم إلى جولة جديدة من الحرب.
في أي حال، فإن لبنان أمام أسابيع لا تحتمل الخطأ في التقدير: علي الطاهر هو الاختبار الميداني، والنبطية هي خط الإنذار، وإيران هي مفتاح الإقليم، فيما تشكل انتخابات الكنيست والكونغرس ساعة الصفر السياسية. وحتى الثالث من تشرين الثاني، لن يكون السؤال من يريد الحرب ومن يريد السلام، بل من يستطيع أن يصل إلى ما بعد الانتخابات من دون أن يمنح خصمه الانتصار الذي يحتاج إليه.

