ندى أندراوس - خاص الأفضل نيوز
عندما يقول رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إن الوقت قد حان لعودة الدولة إلى الجنوب، فهو لا يقصد انتشار الجيش والقوى الأمنية وحده، بل استعادة الدولة لوظيفتها الكاملة: السيادة والحماية والإدارة والخدمات. فالنبطية، بما تمثله من مركز سياسي وإداري واقتصادي لعشرات القرى، تحولت إلى اختبار لقدرة الدولة على تثبيت حضورها في منطقة تواجه ضغطًا عسكريًا إسرائيليًا ومحاولات متكررة لتعطيل الحياة ومؤسساتها.
وفي المعلومات، لن يقتصر تعزيز انتشار الجيش في النبطية على الإجراءات الأمنية، بل سيترافق مع تقديم خدمات مدنية للمواطنين وتفعيل الإدارات الرسمية. والهدف هو طمأنة الأهالي وتثبيتهم في أرضهم، ومنع نشوء فراغ أمني أو اجتماعي يمكن أن تستخدمه إسرائيل ذريعة لمواصلة عملياتها. وقد حذّر عون من أن أي فراغ في الجنوب يخدم الاعتداء ويضرب السيادة الوطنية.
سياسيًّا، تعني العودة نقل مركز القرار إلى مؤسسات الدولة، والتأكيد أن أمن الجنوب ومستقبله ليسا ملفًا حزبيًا أو فئويًا. ويريد العهد تقديم الدولة إلى أبناء المنطقة بوصفها ضمانة لهم، لا سلطة تأتي لمواجهتهم. لذلك، فإن نجاح الخطوة يتطلب تأمين الاستشفاء والتعليم والبنى التحتية والمساعدات وإعادة الإعمار، لأن الدولة التي تنتشر عسكريًا وتغيب اجتماعيًا تبقى ناقصة الحضور.
أما عسكريًّا وأمنيًّا، فيهدف الانتشار إلى حماية المؤسسات وضبط الأرض، ومنع إسرائيل من توسيع تقدمها والإطباق على مزيد من المساحة الجنوبية. لكن استمرار الاعتداءات يقيّد حركة الجيش ويهدد بتحويله من قوة لتثبيت الاستقرار إلى قوة تعمل تحت النار.
وترى أوساط دبلوماسية أن إسرائيل قد تتعامل مع الانتشار بوصفه اختبارًا لقدرة الدولة على ضبط المنطقة وحصر السلاح، فتطالب بضمانات وآليات تحقق إضافية، أو تواصل اعتداءاتها لرفع مستوى الضغط على لبنان وانتزاع تنازلات في المفاوضات. غير أن استهداف منشآت مدنية ورسمية في النبطية كشف أن الضغط لا يطاول أهدافًا عسكرية مزعومة فقط، بل يهدف أيضًا إلى إرباك عودة الدولة وتعطيل مؤسساتها.
وبحسب المعلومات، أسهمت اتصالات أميركية وسعودية في تجميد التهديدات الإسرائيلية بتوسيع العمليات، من دون أن يعني ذلك إسقاطها نهائيًا. فواشنطن، راعية الوساطة، تملك القدرة الأكبر على لجم إسرائيل، فيما توفر الرياض غطاءً عربيًا لمسار بسط السيادة وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية. لكن فاعلية هذا الدور ستُقاس بمنع الحرب، لا بمجرد تأجيلها.
وفي قراءة الحسابات الإسرائيلية، يستخدم بنيامين نتنياهو الجبهة اللبنانية للضغط على الدولة في ملف السلاح، وفي الوقت نفسه يحولها إلى ورقة انتخابية. فالانسحاب من الأراضي التي تحتلها إسرائيل قبل تحقيق صورة «النصر الكامل» قد يُقدَّم داخليًا كتراجع، بينما يسمح استمرار التصعيد لنتنياهو بمخاطبة ناخبيه من موقع القوة وتشديد شروطه التفاوضية.
عودة الدولة إلى النبطية بدأت، لكن اكتمالها يتطلب حماية الأرض والناس، ومنع الحرب، وتحويل الحضور الرسمي إلى واقع دائم لا إلى انتشار مؤقت تحت ضغط النار.

