ميرنا صابر – خاص الأفضل نيوز
لسنوات، كان الذكاء الاصطناعي سباقاً مفتوحاً: نماذج أسرع، قدرات أكبر ومليارات للاستثمار. لكن في أيلول 2026، خرج الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic داريو أمودي ليطالب بإبطاء تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، معتبراً أن إجراءات السلامة تحتاج إلى وقت للحاق بسرعة التطور. موقف أيّده سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لـ Open AI فيما اعتبر إيلون ماسك أن أمودي "محق". فلماذا تطلب شركات تقوم أعمالها أساساً على تطوير الذكاء الاصطناعي إبطاء هذا التطور؟
قد يكون الجواب في الأرقام، بحسب Anthropic أكثر من 80% من الكود الذي دُمج في قاعدة أكواد الشركة بحلول أيار 2026 كان من كتابة Claude فيما أصبح المهندس في الشركة يدمج يومياً كمية من الكود تعادل نحو 8 أضعاف ما كان يدمجه عام 2024. هذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي أصبح مستقلاً عن الإنسان، لكنه يعني أنه بدأ يشارك فعلياً في الأدوات المستخدمة لتطوير أجيال جديدة منه.
أكد الخبير والمدرب في مجال الذكاء الاصطناعي د. عزام علوان لـ"الافضل نيوز" أنّنا: "دخلنا بالفعل المرحلة الأولى من الذكاء الاصطناعي الذي يساهم في تطوير الذكاء الاصطناعي، ولكننا لم نصل بعد إلى نظام يطوّر نفسه بشكل مستقل. وهناك فرق كبير بين أن يكتب الذكاء الاصطناعي 80% من الكود، وبين أن يقرر بنفسه ما الذي يجب أن يُبنى، ولماذا يجب أن يُبنى، وما إذا كانت النتيجة أفضل فعلاً."
وأضاف: "ما يحصل اليوم هو انتقال تدريجي لدور الإنسان من التنفيذ إلى التوجيه. في السابق كان المهندس يحدد المشكلة، يصمم الحل، يكتب الكود، يختبره ويصححه. اليوم يمكن للـAI agent أن يقوم بجزء كبير من هذه السلسلة."
ففي آذار 2024، كانت نسخة Claude Opus 3 قادرة على التعامل مع مهام برمجية تحتاج من الإنسان إلى نحو 4 دقائق. وفي 2026، أصبح Claude Opus 4.6 قادراً على التعامل مع مهام يصل وقتها البشري إلى نحو 12 ساعة. وتقول Anthropic إن مدة المهام التي تستطيع أنظمتها إنجازها بصورة مستقلة تتضاعف حالياً كل أربعة أشهر تقريباً. من هنا يأتي الحديث عن "التحسين الذاتي المتكرر"، أي أن يساهم الذكاء الاصطناعي في تطوير نظام أكثر قدرة منه، ليشارك النظام الجديد بدوره في تطوير الجيل التالي.
أشار علوان في حديثه لـ"الأفضل نيوز" أنّ: "هناك حاجزاً تقنياً واحداً واضحاً إذا أزلناه غداً يصبح لدينا Recursive Self-Improvement كامل. المشكلة عبارة عن مجموعة حلقات يجب أن تُغلق في الوقت نفسه. النموذج يستطيع اليوم كتابة الكود وتشغيل experiments وتحليل النتائج واقتراح تعديلات وإعادة التجربة. وفي تجارب حديثة، استطاعت agents أن تدير أجزاء كبيرة من أبحاث مفتوحة نسبياً، بما فيها اقتراح الفرضيات وتصميم التجارب وتنفيذها، بينما بقي اختيار المشكلة ومعيار النجاح من وضع الإنسان. لكن تطوير نموذج frontier جديد أصعب بكثير من كتابة software عادي". وقال: "ما تغيّر برأيي هو أننا لم نعد نناقش فكرة خياليّة بالكامل. أجزاء الحلقة موجودة بالفعل، والتطور الحالي يعمل على تقليل عدد المراحل التي يحتاج فيها النظام إلى تدخل بشري".
وهنا يظهر السؤال الأكثر حساسيّة: هل يمكن أن يصل الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة يحتاج فيها إلى الإنسان أقل فأقل لتطوير نفسه؟ حتى الآن، لا يوجد دليل على أن الذكاء الاصطناعي يملك إرادة مستقلة أو أنه "استخدم البشر" لجمع البيانات وتطوير نفسه. كما يؤكد التقرير الدولي لسلامة الذكاء الاصطناعي لعام 2026 أن الأنظمة الحالية لا تمتلك بعد القدرات اللازمة لسيناريو فقدان السيطرة.
لكن اللافت أن التحذير هذه المرة يأتي من داخل الشركات التي تبني هذه التكنولوجيا. فالذكاء الاصطناعي لم يخرج عن سيطرة الإنسان، لكنه أصبح جزءاً من عملية تطوير الذكاء الاصطناعي نفسه. ومن هنا، لم يعد السؤال إلى أي مدى يمكن أن يصبح أذكى… بل إلى أي مدى سيبقى بحاجة إلينا؟

