د. علي دربج ــ خاص الأفضل نيوز
في بلاد تعبت من عدّ خيباتها، هناك أسماء يُحرَج منها الوصف. فكيف تصف رجلًا كان وما زال حاضرًا في وجوه الناس قبل الكلمات؟
يتكلم عنه طالب فتح له باب الجامعة يوم أوصدت الحياة أبوابها، وأم نامت بلا خوف على مستقبل أبنائها، وطفل حملته الرعاية قبل أن تلتقطه الحياة بأنيابها، ومسن أُعيدت إليه كرامته من فم النسيان.
هناك، بين دمعة امتنان ودعوة صادقة وحلم نهض من الركام، يُقرأ اسم حسن مراد: الوزير والنائب، رئيس لجنة التربية النيابية ورئيس الجامعة اللبنانية الدولية.
كنت أجلس على منصة تخرّج طلاب الجامعة اللبنانية الدولية حين دخل الوزير حسن مراد، فنهضت القاعة وسط احتفاء أهل الجنوب به.
لم يكن تصفيقهم مجاملة لرجل سياسة، بل اعترافًا لرجل عرفوه في محنتهم، وقف معهم حين اشتد الوجع، وبلسم جراحهم بالفعل لا بالكلام. راقبت المشهد فابتسمت:
لم أحتج إلى كثير لأكتب عنه، فقد كان النص يتحرك أمامي في عيون الناس، وفي رجل لم يدخل محمولًا على منصبه، بل على محبة زرعها بينهم. عندها أدركت أن بعض الرجال لا تبدأ الكتابة عنهم من سيرهم، بل من أثرهم في الناس.
البقاع... وطن يُنتزع من فم الجغرافيا
لم يدخل الوزير حسن مراد السياسة باحثًا عن كرسي يزيّن سيرته، بل ليقتلع المسافة بين وجع الناس والقرار. كان يسبق الحاجة إلى صاحبها، كأن كل بيت مسؤوليته، وكل طالب ابنه، وكل مريض أمانة.
وفي البقاع الغربي، لم يكن حضوره خدمات متناثرة، بل تمرّدًا على جغرافيا الإهمال.
انتشلها من الحرمان، ونقلها من عتمة النسيان إلى حاضر المشاريع، بعدما اعتادها بعضهم هامشًا انتخابيًّا. حيث كانت الدولة تتلكأ، كانت مؤسساته تصل، وحيث تمدد اليأس، أقام مدرسة ودور رعاية وفرصة للحياة. لم يجمّل البقاع بخطاب، بل نحته بالحجر والكتاب والجامعة والعمل، حتى صار الإنجاز ذاكرة يومية من يومياته، لا لافتة موسمية.
"الغد الأفضل"... عطاء لا ينام
من ضمير يرفض ترك الإنسان وحيدًا، وُلدت "مؤسسات الغد الأفضل". من الطفولة إلى الشيخوخة، امتدت مشاريعها التربوية والرعائية والاجتماعية والثقافية والإعلامية والشبابية والتطوعية، وتعاونيات تسند الفقراء. لم تبنِ جدرانًا صامتة، بل حصونًا ضد الجهل والعوز والوحدة، وجعلت المؤسسة كتفًا لمن أنهكته الحياة.
أما الجامعة اللبنانية الدولية، فليست تجارة شهادات كغيرها، بل ثورة على احتكار المستقبل. أبقى أقساطها في متناول محدودي الدخل، وفتح بالمنح أبوابها للمتفوقين، لأن فقر الأب لا يجوز أن يصدر حكمًا بإعدام حلم الابن. يعامل طلابها كأبنائه، وكادرها كعائلته، فالعلم في قاموسه الإنساني، ليس امتيازًا لمن يملك ثمنه، بل حقٌّ لمن يملك الجرأة على الحلم.
من البقاع إلى الجنوب... وطن لا تقطّعه الطوائف
الجنوب عند حسن مراد ليس طرفًا على الخريطة، بل قلب لبنان النازف والواقف. وفي حفل التخرج أمس، وقف من صيدا، بوابة الجنوب، لا ليمنح الطلاب شهاداتهم، بل ليمنح الجنوب مكانه في الفرح.
أفرد مساحةً لشهدائه وتضحيات أهله، وحيّا صور والنبطية، وجبل عامل، منارةَ الفكر والمعرفة قبل أن تكون أرض المواجهة والصمود. كان يعرف أن خلف كل قبعة تخرّج عائلة قاومت الخوف، وخلف كل شهادة بيتًا تحدّى الحرب والتهجير، وأن الجنوب هو أن تخسر منزلًا، وتودّع شهيدًا، ثم تنهض لتفتح مدرسة. لذلك، فإن إعماره وصون كرامة أهله واجب وطني، وحين يُفتح فيه صف، تنتصر الحياة على الخراب.
هذه العروبة تشرّبها في بيت والده الوزير عبد الرحيم مراد، حيث كانت فلسطين فردًا من العائلة، ولبنان وطنًا لا مزرعة للطوائف. لذلك، لا مكان للمذهبية في قاموسه، ولا تسأل مؤسساته المحتاج عن دينه أو انتمائه. لا يساوم على العداء لإسرائيل، أو على رفض احتلال الجنوب واغتصاب فلسطين، فبالنسبة إليه، هذه قضايا شرف وكرامة ووجود.
حُورب الوزير مراد ظلمًا، لكنه أجاب الإساءة بمنحة، والخصومة بمدرسة، والتهميش بمشروع. كل حجرٍ رُمي حوّله إلى حجر أساس، وكل باب أُغلق أمامه فتح أبوابًا للناس.
حسن مراد ليس رجلًا مرّ في السلطة، بل سلطة الخير حين تعجز السلطة. مجده ليس لقبًا، بل مصائر انتُشلت من العتمة. وحين يسأل التاريخ ماذا صنع، ستجيب المدارس والجامعات والبيوت: هنا مرّ رجل حمل الناس في قلبه، فحمله الناس في قلوبهم، وحوّل السياسة من كلام إلى وطن من خبز وعلم وكرامة.

