غدير نصرالدين - خاص الأفضل نيوز
بين الأمس واليوم، لم يعدِ الغلاء مجرّد ارتفاع في أسعار السلع الموجودة على رفوف السوبرماركت، بل بات جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية للبنانيين. فلم يعد شراء الكماليات مصدر ترفيه للكثيرين، بل أصبح يتطلب حسابات كثيرة، فما كان يُشترى من دون تفكير طويل، بات اليوم مرتبطاً بقدرة الفرد على تحمّل تكلفته، وما كان يُعتبر من المسلّمات، أصبح يحتاج إلى حسابات دقيقة وميزانية محدّدة.
فالغلاء الحالي جاء نتيجة تراكمات عدّة، بدءاً من انهيار العملة، مروراً بالحرب، وارتفاع أسعار النفط، وصولاً إلى التضخم، وهي عوامل أثّرت، بطرق مختلفة، سلباً على حياة المواطن وقدرته الشرائية.
وبالتالي، تغيّرت أوجه الشراء والترفيه، وبدأ البحث عن بدائل أقل كلفة، فيما اضطر بعض أصحاب المصالح إلى تعديل أسعارهم بما يتماشى مع الواقع الجديد الذي فُرض على الجميع…
فما الذي تغيّر في حياة المواطنين بين "الأمس واليوم" ؟ وبالمقابل، ما الذي تغيّر في طريقة بيع أصحاب المصالح وتعاملهم مع هذا الواقع؟
كلفة أعلى…وشراء أقل
في حديثٍ للأفضل نيوز مع السيد "أحمد قانصو" صاحب سوبر ماركت في منطقة كفررمان، أوضح أن كميات المواد الغذائية والسلع التي يشتريها لم تعد كما كانت في السابق، إذ كان يمتلك مخزنين للبضائع، أما اليوم فلم يعد يحتفظ بكميات إضافية، أولاً بسبب الحرب، ولا سيما أن كفررمان منطقة لم تستقر أوضاعها بعد، وثانياً بسبب غلاء الأسعار وضعف القدرة الشرائية لدى المواطنين.
أما بالنسبة إلى الزبائن، فأشار إلى أن المشهد تغيّر بشكل كبير، موضحاً: "كان الزبون يدخل إلى السوبرماركت ويملأ عربة أو عربتين، وقد تصل قيمة مشترياته إلى 150 أو 200 دولار، أما اليوم فلم نعد نرى هذا النوع من الزبائن، لأن الناس حرفياً 'بطّل معها تاكل' ".
وفيما بخصوص أسعار الشركات التي يشتري منها التجار بضائعهم، لفت إلى أن نسب الارتفاع تختلف من شركة إلى أخرى، إذ رفعت بعض الشركات أسعارها بنحو 35%، فيما رفعتها شركات أخرى بنسبة 20% أو 15%، مشيراً إلى أن أقل نسب الغلاء طالت المواد الغذائية، في حين سُجّلت أعلى نسب الارتفاع في أسعار البلاستيك وغيرها من المنتجات…
وفي هذا السياق، أشار إلى ارتفاع كبير في كلفة النقل والشحن، قائلاً إن من كان يملأ خزان سيارته بالبنزين بقيمة 50 دولاراً ويجول طوال اليوم لتوزيع البضائع، بات اليوم يحتاج إلى نحو 200 دولار لتعبئة الخزان، وبالتالي "من الطبيعي أن ترتفع الأسعار، ولم يعد بإمكانهم تقديم العروض كما في السابق بسبب ارتفاع كلفة النقل والشحن".
وفي المقابل، نبّه إلى أن بعض أصحاب السوبرماركت يعمدون إلى رفع الأسعار من تلقاء أنفسهم بنسبة معينة، شارحاً أنه في حال ارتفعت كلفة أحد الأصناف بنسبة 25%، يقوم بعض التجار برفع أسعار جميع المنتجات الموجودة لديهم بنسبة 25%، بغضّ النظر عمّا إذا كانت هذه المنتجات قد ارتفعت أسعارها فعلياً أم لا.
وختم بالإشارة إلى أن هناك عدداً من السلع، يُقدّر بنحو 50% من إجمالي السلع، لم تطلها الزيادات في الأسعار حتى الآن.
من الشراء مباشرةً إلى مقارنة الأسعار
وخلال جولة ميدانية أجراها موقع "الأفضل نيوز" بين الأسواق والمحال التجارية، تحدّث المواطن م. ن. عن التغيّرات اليومية التي طرأت على حياته وحياة عائلته نتيجة الغلاء والارتفاع الملحوظ في الأسعار، مشدّداً على أن كلفة المعيشة باتت تشكّل عبئاً أكبر على المواطن مقارنةً بما كانت عليه في السابق.
وأوضح أن هذا الارتفاع لم يقتصر على نوع محدّد من السلع، بل طال مختلف جوانب الحياة دون استثناء، لافتاً إلى أن الارتفاع الكبير في أسعار البنزين والمواد الغذائية بات أكثر تأثيراً، نظراً إلى كونهما من العناصر الأساسية في الحياة اليومية.
وقال: "في السابق، كنا نُخزّن مونة إضافية، نملأ السيارة بالبنزين من باب الاحتياط، ونشتري أغراضاً وسلعاً كثيرة كمالية وليست أساسية. الزمن الأول قد تغيّر، وأصبحنا اليوم نحسب حساب كل قرش".
خاتماً أن مقارنة الأسعار بين أكثر من محل باتت اليوم أمراً أساسياً قبل إتمام عملية الشراء، لافتاً إلى أن هذه المقارنة لم تكن موجودة بالدرجة نفسها في السابق…
في المحصلة، من المؤسف القول أن الغلاء لم يعد مجرد أرقام على الرفوف بل بات يعيد ترتيب أولويات اللبنانيين، ويفرض عليهم التكيف مع واقع اقتصادي يختلف عن السابق خصوصاً في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها البلد، ويبقى السؤال:
هل ستعود الحياة يوماً الى النمط الذي اعتاده المواطن سابقاً ؟

