پولين فاضل - خاصّ الأفضل نيوز
لا مغالاة في وصف شهر أيلول الذي طوى أخيراً آخر أوراقه بوداع الأهل في لبنان لأبنائهم الذين اختاروا متابعة تحصيلهم الجامعي في الخارج. ومَن مرّ في قاعة المغادرة في مطار بيروت الدولي في الأيام الأخيرة لا بد أن يكون قد وقع نظره على شباب كثر يحملون حقائبهم وتطلعاتهم ويتجهون بها إلى البقعة التي أتيحت لهم سواء في أوروبا أو أميركا أو كندا، فالمهم هو توسيع الآفاق خارج بلد تُضيِّق أكثر فأكثر الفرص أمام الشباب فيه.
وتقول الشابة الجامعية لين وهبة لـ"الأفضل نيوز" إنها حضرت أخيراً حفلة وداع لصديقتين لها، أي ما يعرف باللغة المتعارفة في أوساط الشباب بال "Farewell"، ووجهة الصديقتين هي إيطاليا لتحصيل شهادة الماجستير في العلاقات الدولية"، مضيفة أنها "قد تحذو حذوهما هذا الصيف بعد نيلها إجازة في الاختصاص نفسه". أما السيدة سعاد نعمة وهي أم لشابين، فقالت لموقعنا إنها ودّعت أخيراً إبنها البكر جاد بعد قضائه جزءاً من الصيف في لبنان قبل أن يعود ويلتحق بجامعته في سويسرا في بداية عامه الجامعي الثالث، مضيفة أن ابنها الأصغر هو في عامه الثانوي الثاني ومصيره سيكون مصير شقيقه، وهي تجهّز نفسها منذ اليوم لفراغ المنزل، لكنها تحتكم إلى لغة العقل التي تقول لها إن هذا الخيار هو الأفضل لولديها في بلد بات يتنفس أزمات على أنواعها، وهو ما يجعل الاستقرار فيه بعيد المنال في المدى القريب.
ناشط لبناني في باريس ومدير بيت للطلبة فيها قال لـ"الأفضل نيوز" إن ما يدمي القلب هو العدد الكبير من اللبنانيين الشباب في باريس والذين تتراوح أعمارهم بين 18 و30 سنة. وأضاف:"عندما نرى هذه الأعداد، نسأل أنفسنا:كم بقي من الشباب في لبنان؟ من هنا فإن هذا النزف الشبابي يبكينا، وهي ظاهرة خطيرة جداً تهدد بفراغ لبنان من الأدمغة والفئة الشبابية".
وتابع قائلاً:"واكبت الهجرة التي حدثت في اتجاه باريس عام 2024 وكانت هجرة للعائلات بفعل الحرب، أما الذين هاجروا هذا العام، فدافعهم اليأس من واقع البلد، وبالتالي أكثر الشباب فقدوا الأمل بغد أفضل في لبنان، وهذا المعطى هو أخطر ما يمكن قراءته في هذه الهجرة الشبابية لأن هدفهم أضحى ليس فقط متابعة التحصيل الجامعي وإنما الحصول على الجنسية الأجنبية والاستقرار في أي بلد في الخارج يوفّر لهم العيش الكريم والمستقبل الواعد".
أما الباحث والكاتب محمد شمس الدين، فقال من جهته لـ "الأفضل نيوز" إن رغبة الشباب بالهجرة من لبنان ما تزال قائمة نتيجة عوامل عدة أولها حبّ المغامرة والسفر وثانيها الوضع الاقتصادي في لبنان وثالثها الوضع الأمني غير المستقر، غير أن هذه الرغبة تصطدم اليوم بغياب فرص العمل في الخارج ، ولاحظ أن "عدد المهاجرين ولا سيما من الشباب قد تراجع مقارنةً مع العام الفائت بسبب تراجع فرص العمل والتي إن وجدت، فإنها تفتقر إلى المغريات.
وقال شمس الدين إنه في العام 2023 كان عدد المهاجرين 180 ألفاً وفي العام 2024 كان 170 ألفاً، وفي العام 2025 كان 65 ألفاً، أما هذا العام فقد لا يتخطى 30 ألفاً.
من الواضح كخلاصة أن بعض الشباب اللبنانيين يرغبون بالهجرة للعلم، أما للعمل فالرغبة جامحة إن جاء العرض المادي مغرياً لحزم الحقائب والانطلاق في رحلة جني الأموال والانضمام لاحقاً إلى دائرة المغتربين الذين يساهمون في صمود البلد بتحويلاتهم المالية من الخارج.

