راما الجراح- خاصّ الأفضل نيوز
في قرى البقاع وبلداته، لا تتوقف الحركة الاقتصادية عند المحال التجارية والمصانع والمكاتب، خلف أبواب الكثير من المنازل، تعمل نساء يومياً في الطبخ وإعداد المؤونة، والزراعة، وتربية المواشي، والتطريز، وصولاً إلى بيع المنتجات عبر منصات التواصل الاجتماعي. أعمال قد تبدو في ظاهرها منزلية وبسيطة، لكنها تتحول في كثير من الحالات إلى مصدر دخل حقيقي، يساعد العائلات على مواجهة أعباء المعيشة، فيما يبقى جزء كبير منها خارج الأطر الرسمية للاقتصاد وسوق العمل.
وفي بلدٍ أنهكته الأزمة الاقتصادية منذ عام 2019، برزت هذه الأعمال كمساحة لجأت إليها نساء كثيرات لتأمين دخل، أو مساندة أسرهن، أو بناء مشروع انطلق من المنزل وتوسع تدريجياً إلى خارج البلدة. وبين إنتاج يُباع للمعارف والجيران، وطلبات تصل من مناطق بعيدة، وصفحات إلكترونية تفتح أبواباً لزبائن جدد، يتشكل اقتصاد منزلي غير ظاهر في المشهد التقليدي، لكنه حاضر في تفاصيل الحياة اليومية.
وفي قراءة اقتصادية لهذه الظاهرة، تعتبر الخبيرة الاقتصادية الدكتورة هدى علاء الدين أن الطبخ المنزلي، والزراعة وتربية المواشي وبيع المنتجات عبر الإنترنت هي أنشطة اقتصادية حقيقية، وتشكل ركيزة أساسية لما يُعرف بـ"الاقتصاد غير الرسمي" أو "الاقتصاد غير المنظم".
وتوضح الخبيرة لـ"للأفضل نيوز" أن هذه الأعمال لعبت، منذ بداية الأزمة الاقتصادية في لبنان عام 2019، دوراً كبيراً في مساندة العديد من العائلات ومساعدتها على تخطي الأوضاع المالية والاقتصادية الصعبة، مشيرةً إلى أن عدم تسجيل معظم هذه الأنشطة رسمياً في السجلات التجارية أو لدى الدوائر الضريبية لا يلغي صفتها الاقتصادية، لأنها في نهاية المطاف تقدم خدمة، ويجري من خلالها البيع والاستهلاك وتحقيق الدخل. إلا أن عدم تسجيلها يحد من فرص تمويلها ويعني عدم خضوعها للضرائب، رغم بقائها جزءاً أساسياً من النشاط الاقتصادي.
وترى علاء الدين أن النساء لا يمتلكن دائماً القدرة الكافية على تحويل هذا الإنتاج إلى مشاريع اقتصادية مستدامة، أي مشاريع قادرة على تغطية تكاليفها وتحقيق الأرباح والاستمرار في الإنتاج على المدى الطويل. وتربط ذلك بعوامل هيكلية واجتماعية، أبرزها النظرة إلى عمل المرأة باعتباره محصوراً داخل المنزل، إلى جانب صعوبة الوصول إلى الأسواق والزبائن ونقص المعرفة بكيفية تطوير هذه الأعمال. كما تبرز عوائق اقتصادية وتنظيمية، بينها صعوبة الحصول على التمويل، وارتفاع تكاليف الإنتاج نتيجة الأزمة المالية وارتفاع أسعار المحروقات والنقل، فضلاً عن كلفة إجراءات التسجيل والترخيص والالتزام بمعايير الجودة والسلامة عند الانتقال من العمل المنزلي إلى مشروع اقتصادي أوسع، ما يدفع كثيراً من النساء إلى إبقاء أعمالهن ضمن نطاق المنزل وعدم التوسع.
وفي المقابل، تعتبر علاء الدين أن المنصات الإلكترونية فتحت أمام النساء باباً واسعاً إلى سوق العمل، ولا سيما اللواتي لم يكن يمتلكن القدرة على دخول سوق العمل التقليدي لأسباب اجتماعية أو عائلية أو مالية، إذ بات بإمكانهن البدء من المنزل وعرض منتجاتهن والوصول مباشرة إلى المستهلك، وحتى إلى أسواق خارج لبنان. لكنها تشير إلى أن هذا المجال يحمل تحديات أيضاً، أبرزها ارتفاع المنافسة وتشابه المنتجات، إضافة إلى أن بعض منصات التجارة الإلكترونية لا توفر دائماً مستوى الثقة الكافي بين المنتج والمستهلك.
وتؤكد علاء الدين أن الخطوة الأهم هي الانتقال بهذا العمل من مجرد إنتاج منزلي إلى نشاط اقتصادي منظم، من خلال بناء علامة تجارية، وتنظيم السجلات المالية، وتطوير الإنتاج، بما يسمح للنساء بتوسيع أعمالهن والدخول بصورة أكبر في الدورة الاقتصادية التي يحتاج إليها لبنان.
لكن خلف هذا التعريف الاقتصادي، تبدو الصورة أكثر وضوحاً حين نصل إلى تجربة امرأة من بين نساء كثيرات في البقاع يعملن من بيوتهن، في محاولة لتحويل مهاراتهن وإنتاجهن إلى مصدر دخل مستمر. بدأت من مطبخ منزلها، قبل أن تجد نفسها أمام قاعدة من الزبائن تتوسع يوماً بعد يوم. ففي بلدة المرج في البقاع الغربي، اختارت السيدة خديجة نسبيه أن تحوّل ما تصنعه في منزلها من مؤونة إلى مصدر دخل، ومع مرور الوقت توسعت دائرة زبائنها لتتخطى البلدة وتصل إلى مناطق عدة، وصولاً إلى بيروت.
وتقول نسبيه لـ"للأفضل نيوز" إن العمل النظيف هو أساس الثقة بيننا وبين الزبون، مشيرةً إلى أن هذه الثقة ساهمت في تكوين قاعدة واسعة من الزبائن الذين يطلبون منها مختلف أنواع المؤونة وبكميات كبيرة، موضحةً أنها تحضّر الطلبات وفق رغبة كل زبون واحتياجاته، ومؤكدةً أن الأسعار تبقى في متناول الزبائن، وأنها حافظت على أسعار العام الماضي تقريباً.
وفي قراءة سريعة لأسعار بعض أنواع المونة، يبلغ سعر كيلو المكدوس 10 دولارات، والتين 12 دولاراً، واليقطين 15 دولاراً، فيما يصل سعر كيلو الكشك إلى 25 دولاراً. كما تؤمّن نسبيه خدمة توصيل إلى بيروت، مع بقاء الأسعار نفسها، باستثناء المكدوس الذي يبلغ سعر الكيلو منه 15 دولاراً عند التوصيل إلى بيروت، بحسب نسبيه.
وتعكس تجربة خديجة جانباً من اقتصاد يتشكل بهدوء داخل البيوت البقاعية، حيث تتحول المهارات المنزلية والإنتاج المحلي إلى مصدر دخل يرتبط بالثقة وجودة المنتج واتساع شبكة الزبائن.
وبينما ما تزال هذه الأعمال تواجه تحديات التمويل والتسويق والتنظيم وارتفاع كلفة الإنتاج، فإن توسع بعضها من نطاق البلدة إلى مناطق أخرى، وصولاً إلى بيروت وخارجها عبر المنصات الإلكترونية، يوضح أن العمل المنزلي للنساء لم يعد مجرد نشاط جانبي، بل أصبح مساحة اقتصادية حقيقية يمكن أن تتطور وتكبر متى توفرت لها الظروف المناسبة.

