إلياس المرّ - خاصّ الأفضل نيوز
من الحرب على إيران إلى أمن الخليج والبحر الأحمر، ومن المواجهة في سوريا إلى فلسطين… هل تولد معادلة إقليمية جديدة؟
ليست قمة إسطنبول الرباعية، التي تجمع السعودية وتركيا وباكستان ومصر، مجرّد لقاء دبلوماسي لمناقشة أزمات المنطقة المتراكمة، بل هي محاولة لإعادة ترتيب الأولويات الإقليمية في لحظة تتقاطع فيها الحروب مع صراعات الطاقة، وتُختبر فيها قدرة الدول المؤثرة على حماية مصالحها بعيداً عن الحسابات الأميركية والإسرائيلية الضيقة؛ فاجتماع وزراء خارجية الدول الأربع في 23 تشرين الأول 2026، بالتوازي مع لقاء موسّع ضمّ دولاً أوروبية، يضع الحرب الأميركية- الإيرانية واليمن والقضية الفلسطينية وأمن الملاحة في هرمز وباب المندب ضمن سلّة واحدة من التحديات.
السؤال الأساسي ليس ما إذا كانت هذه الدول الأربع قادرة على إصدار موقف مشترك، بل ما إذا كانت تستطيع الانتقال من التنسيق الدبلوماسي إلى بناء معادلة إقليمية تمنع تفكك المنطقة إلى ساحات نفوذ متصارعة، وتعيد الاعتبار إلى مصالح شعوبها وأمن دولها واستقلال قرارها.
الرباعية… من إدارة الأزمات إلى صناعة التوازنات
تستمد هذه المجموعة أهميتها من طبيعة الدول التي تتكوّن منها؛ فالسعودية تمثّل ثقلاً اقتصادياً وسياسياً عربياً، وتركيا تمتلك موقعاً جيوسياسياً حاسماً بين آسيا وأوروبا، فيما تشكّل باكستان قوة عسكرية كبرى ذات امتدادات آسيوية وإسلامية، وتبقى مصر ركناً أساسياً في الأمن العربي بحكم موقعها الجغرافي وثقلها السكاني ودورها في ملفات فلسطين والبحر الأحمر وشرق المتوسط.
لكن اجتماع هذه الدول لا يعني تلقائياً نشوء محور متجانس. فلكل منها حساباته الخاصة، وعلاقاته الدولية، وأولوياته الأمنية والاقتصادية. ومن هنا تحديداً تنبع أهمية اللقاء: ليس المطلوب توحيد سياسات الدول الأربع في جميع الملفات، بل إيجاد حدّ أدنى من المصالح المشتركة يسمح بمنع الحروب من التحوّل إلى انهيارات استراتيجية تطال الجميع.
وتكمن الفرصة في تأسيس مفهوم للأمن الإقليمي لا يقوم على إملاءات القوى الخارجية، ولا على تحويل التنافس بين الدول إلى صراعات مفتوحة، بل على الاعتراف بأن استقرار أي دولة في المنطقة بات مرتبطاً باستقرار محيطها.
الحرب على إيران… عندما يصبح الانتصار العسكري خسارة إقليمية
تشكّل الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران الاختبار الأكثر خطورة أمام هذه المعادلة الجديدة. فمهما كانت الحسابات العسكرية والسياسية التي تقف وراء الحرب، فإن تداعياتها لا تتوقف عند الحدود الإيرانية، بل تمتد إلى الخليج وأسواق الطاقة والممرات البحرية والاقتصادات الآسيوية والأوروبية.
إن توسيع الحرب أو استئناف الضربات على المنشآت الإيرانية، ولا سيما منشآت الطاقة والبنية التحتية، قد يفتح الباب أمام دورة جديدة من الردود المتبادلة يصعب ضبط نهاياتها. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الدول الخليجية بمنأى عن المخاطر، سواء بفعل التهديدات الأمنية أو اضطراب حركة الملاحة أو ارتفاع تكاليف الطاقة والتأمين والنقل.
أما إغلاق مضيق هرمز أو تعطيل الملاحة فيه، ولو بصورة جزئية، فلن يكون مجرد ورقة ضغط في المواجهة، بل أزمة تتجاوز أطرافها المباشرين. فالاقتصادات المستوردة للطاقة ستدفع الثمن، وستواجه الدول المنتجة تحديات في تصدير مواردها، فيما ستتعرض سلاسل الإمداد العالمية لمزيد من الاضطراب.
ومن هنا، فإن المصلحة السعودية والتركية والمصرية والباكستانية تلتقي عند ضرورة احتواء الحرب، وإن اختلفت مقاربات كل دولة تجاه طهران وواشنطن.
إن الدفع نحو الحل السلمي لا يعني الانحياز إلى طرف على حساب آخر، بل إدراك أن الحرب المفتوحة قد تنتج خسائر استراتيجية لجميع دول المنطقة، حتى تلك التي لم تشارك فيها.
ولا يكفي أن تدعو الرباعية إلى خفض التصعيد؛ بل ينبغي أن تعمل على بلورة مسار تفاوضي واضح، يتيح وقف العمليات العسكرية، ويعيد فتح قنوات الاتصال، ويضع أمن الملاحة وعدم استهداف البنية التحتية المدنية ضمن تفاهمات قابلة للتنفيذ، فأمن الخليج لا يتحقق بتدمير دولة إقليمية كبرى، كما أن أمن إيران لا يمكن أن يُبنى على تهديد جيرانها أو تعريض الممرات البحرية للخطر. والمخرج المستدام هو صياغة قواعد متبادلة للأمن، تمنع تحويل الجغرافيا المشتركة إلى سلاح في الحروب.
اليمن والبحر الأحمر… الجبهة التي تربط الخليج بالتجارة العالمية
لا يمكن فصل الحرب في اليمن عن الصراع الأوسع على أمن الخليج والبحر الأحمر وباب المندب. فاليمن ليس مجرد أزمة داخلية أو ساحة مواجهة بين أطراف محلية وإقليمية، بل يقع عند أحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث تتقاطع مصالح الدول العربية والقوى الدولية وحركة التجارة والطاقة.
وتكشف التطورات اليمنية أن استمرار النزاع يضع أمن السعودية أمام تحديات مباشرة، فيما يجعل الملاحة في البحر الأحمر عرضة للاضطراب، ويمنح القوى الخارجية فرصاً إضافية لتوسيع حضورها ونفوذها، لكن المعالجة لا يمكن أن تقتصر على المقاربة العسكرية، فالحل المستدام يتطلب تسوية سياسية يمنية تحفظ وحدة البلاد، وتضع حداً لاستهداف المدنيين والبنية التحتية، وتمنع استخدام الأراضي اليمنية منصة لتصفية الحسابات الإقليمية.
وهنا تستطيع الرباعية أن تؤدي دوراً مهماً، عبر الجمع بين حماية أمن السعودية، ودعم المسار السياسي اليمني، والعمل على ضمان حرية الملاحة في باب المندب.
إن تحويل البحر الأحمر إلى ساحة صراع دائم لن يخدم أي دولة من دول المنطقة، كما أن اختزال الأزمة اليمنية في المواجهة بين الرياض والحوثيين سيبقي أسباب النزاع قائمة، مهما تبدلت موازين القوى.
إسرائيل وسوريا… من الصراع على الحدود إلى إعادة تشكيل الإقليم
في موازاة الحرب على إيران، تبرز السياسات الإسرائيلية التوسعية باعتبارها أحد أبرز مصادر القلق الاستراتيجي لدول المنطقة، فالمشكلة لا تتعلق فقط بالعمليات العسكرية، بل بما يمكن أن تنتجه من وقائع جغرافية وأمنية جديدة، تفرض على الدول المجاورة التعامل مع معادلات لم تشارك في صياغتها.
وتأتي سوريا في قلب هذه المعادلة؛ فبعد سنوات من الحرب والإنهاك، باتت الساحة السورية معرضة لتداخل الحسابات الإسرائيلية والتركية والإقليمية، في ظل اختلاف الرؤى بشأن شكل الدولة السورية ومستقبلها الأمني وموقعها في توازنات المنطقة؛ فتركيا تنظر إلى سوريا من زاوية أمنها القومي وحدودها الجنوبية، وترفض نشوء ترتيبات تعتبرها تهديداً مباشراً لمصالحها. أما إسرائيل، فتسعى إلى منع تشكّل أي بيئة عسكرية أو سياسية تراها خطراً على أمنها، مع سعيها إلى الاحتفاظ بحرية الحركة وفرض وقائع ميدانية تخدم مصالحها، وهكذا، يصبح احتمال الاحتكاك الإسرائيلي التركي في سوريا جزءاً من صراع أوسع على النفوذ وحدود الحركة العسكرية والسياسية لكل طرف، ولا يعني ذلك أن مواجهة مباشرة بين أنقرة وتل أبيب باتت حتمية، لكنه يعني أن غياب قواعد واضحة للتفاهم، واستمرار السياسات الأحادية، قد يرفعان احتمالات التصادم.
ومن هنا، فإن مصلحة المنطقة تكمن في منع تحويل سوريا إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، وفي دعم سيادتها ووحدة أراضيها، ورفض فرض خرائط نفوذ دائمة بقوة السلاح.
حرب الطاقة… هل تصبح الثروات العربية جزءاً من الصراع على النفوذ؟
لم تعد الطاقة مجرد سلعة اقتصادية؛ فقد تحولت إلى أحد أهم أدوات الصراع الجيوسياسي. فمن يملك مصادر الطاقة وطرق نقلها، أو يستطيع التأثير في أمنها وأسعارها، يمتلك أوراق ضغط تتجاوز الاقتصاد إلى السياسة والأمن.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الثروات السعودية وموقع المملكة في أسواق النفط العالمية. فالسعودية ليست مجرد دولة منتجة للطاقة، بل لاعب قادر على التأثير في توازنات السوق العالمية، وهو ما يجعل أمن منشآتها وطرق تصديرها جزءاً من الأمن الاقتصادي الدولي.
ومن الضروري هنا التمييز بين التنافس على الطاقة وبين الادعاء بوجود أطماع إسرائيلية مباشرة في الثروات السعودية؛ فالمسألة الاستراتيجية الأوسع تتعلق بمن يملك القدرة على التأثير في طرق الإمداد، وبمن يستطيع توظيف اضطرابات المنطقة لإعادة توزيع النفوذ الاقتصادي.
إن أي تصعيد عسكري يهدد الخليج أو يعطّل هرمز وباب المندب سيعيد رسم حسابات الطاقة، وقد يخلق فرصاً لبعض الأطراف، لكنه سيحمّل المنتجين والمستهلكين على حد سواء تكاليف باهظة.
ولذلك، فإن حماية الثروات العربية لا تتحقق فقط بحماية المنشآت، بل أيضاً بمنع الحروب التي تجعل موارد المنطقة رهينة للصراع الدولي، وببناء منظومة تعاون تحمي طرق التصدير وتقلل هشاشة الاقتصادات أمام الأزمات.
مصر بين غاز شرق المتوسط ومعادلة الأمن العربي
تواجه مصر بدورها معادلة دقيقة، تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع اعتبارات الأمن القومي والدور الإقليمي.
ففي شرق المتوسط، يشكّل الغاز أحد محاور التنافس والتعاون، وسط شبكة من الاتفاقات والعلاقات بين إسرائيل ودول المنطقة، وفي مقدمتها مصر التي ترتبط بمنظومة إقليمية لتجارة الغاز ومعالجته وتسييله وتصديره.
لكن المصالح الاقتصادية لا تلغي الأسئلة السياسية والاستراتيجية. فإلى أي مدى تستطيع القاهرة حماية مصالحها في الطاقة، من دون أن تتحول هذه المصالح إلى قيد على خياراتها الإقليمية؟ وكيف يمكنها المحافظة على دورها العربي في لحظة تتعرض فيها المنطقة لضغوط الحرب والتطبيع وإعادة تشكيل التحالفات؟
إن مصر ليست دولة هامشية يمكن اختزال خياراتها في اتفاق اقتصادي أو اصطفاف سياسي. فهي معنية بأمن الخليج والبحر الأحمر، وباستقرار السودان وليبيا، وبالقضية الفلسطينية، وبحماية مصالحها في شرق المتوسط.
ومن هنا تبرز أهمية التقارب المصري- السعودي- التركي -الباكستاني، لا باعتباره بديلاً عن علاقات مصر الدولية، بل باعتباره إطاراً يتيح للقاهرة توسيع خياراتها، وتعزيز قدرتها على الموازنة بين المصالح الاقتصادية والثوابت الاستراتيجية.
أما عبارة «على مسافة السكة»، بما تحمله من دلالة على الاستعداد للتحرك دفاعاً عن الأمن العربي، فلا ينبغي أن تبقى مجرد تعبير سياسي؛ بل يجب أن تقترن برؤية واضحة تحدد متى وكيف تتكامل المواقف السياسية والدبلوماسية والأمنية للدول المعنية، فالمطلوب ليس دفع مصر إلى الاختيار بين مصالحها الاقتصادية ودورها العربي، بل بناء معادلة تجعل الاثنين متكاملين، وتمنع استغلال التباينات العربية لإضعاف المنطقة.
فلسطين… الامتحان الحقيقي لأي نظام إقليمي جديد
مهما تعددت ملفات الطاقة والحروب والممرات البحرية، تبقى القضية الفلسطينية المعيار الأهم لقياس جدية أي حديث عن استقرار المنطقة، فلا يمكن بناء منظومة أمن إقليمي مستدامة في ظل استمرار الاحتلال، وتوسّع الاستيطان، وحرمان الشعب الفلسطيني من حقه في إقامة دولته المستقلة. كما لا يمكن تجاهل أثر السياسات الإسرائيلية في تأجيج الصراعات، وتوسيع فجوة الثقة بين شعوب المنطقة وأي ترتيبات سياسية تُقدَّم باسم السلام.
وهنا تكتسب قمة بيروت العربية عام 2002 أهمية خاصة. فقد أرست المبادرة العربية للسلام معادلة واضحة تقوم على الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة منذ عام 1967، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، مقابل السلام والتطبيع في إطار تسوية شاملة.
وتجديد التمسك بهذه المبادرة اليوم ليس استعادة لشعار قديم، بل تأكيد أن السلام لا يمكن أن يكون عملية أحادية الجانب، وأن التطبيع لا ينبغي أن يتحول إلى مكافأة مجانية لسياسات الاحتلال والتوسع.
وبالنسبة إلى السعودية، التي تواجه تحديات أمنية واقتصادية متزايدة، فإن التمسك بحق الفلسطينيين في الدولة والاستقلال يعبّر عن معادلة استراتيجية تتجاوز الحسابات الآنية. فالمملكة تستطيع توسيع علاقاتها الدولية وبناء شراكاتها، لكنها تدرك أن تجاهل القضية الفلسطينية لن ينتج سلاماً مستقراً، بل سيترك أحد أهم أسباب الصراع قائماً.
ومن هنا، فإن الرسالة التي ينبغي أن تحملها الرياض إلى إسطنبول هي أن تعدد الأزمات، من الخليج إلى اليمن، لا يبرر التخلي عن الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية، ولا يجعل التطبيع بديلاً عن التسوية العادلة.
إن الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، ليست تفصيلاً يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية، بل ركيزة لأي سلام قابل للاستمرار.
من إسطنبول إلى معادلة إقليمية جديدة
تواجه الدول الأربع فرصة حقيقية لإثبات أن المنطقة ليست محكومة بالاختيار بين الهيمنة الخارجية والفوضى الداخلية، ولا بين حروب لا تنتهي وتسويات تُفرض تحت النار.
لكن نجاح الرباعية لن يُقاس بعدد الاجتماعات والبيانات، بل بقدرتها على ترجمة التوافق السياسي إلى نتائج ملموسة: منع اتساع الحرب على إيران، وحماية أمن الخليج والممرات البحرية، ودعم تسوية سياسية في اليمن، ومنع تحويل سوريا إلى ساحة صدام إقليمي، وصون المصالح الاقتصادية للدول العربية، وإعادة القضية الفلسطينية إلى موقعها الطبيعي في أي مشروع للسلام، والأهم أن تتحول هذه المجموعة إلى إطار دائم للتشاور، قادر على تطوير آليات للتنسيق السياسي والاقتصادي والأمني، من دون أن يصبح محوراً مغلقاً أو أداة في مواجهة دولة إقليمية بعينها، فتركيا لا تستطيع بمفردها ضبط جميع مسارات الصراع، والسعودية لا يمكنها حماية أمنها بمعزل عن استقرار جوارها، وباكستان لا يمكنها تجاهل تداعيات الحرب على العالم الإسلامي وأسواق الطاقة، ومصر لا تستطيع حماية مصالحها في المتوسط والبحر الأحمر إذا بقي النظام العربي مفككاً، إن ما يجمع هذه الدول ليس تطابق المصالح، بل إدراكها أن كلفة الفوضى باتت أعلى من كلفة التفاهم.
قمة إسطنبول، إذا أحسنت الدول الأربع استثمارها، قد تكون بداية انتقال من سياسة إدارة الأزمات إلى محاولة صياغة قواعد جديدة للأمن الإقليمي. أما إذا بقيت التفاهمات في حدود الدبلوماسية، فستظل المنطقة عرضة لحروب يقرر الآخرون توقيتها، وتدفع شعوبها أثمانها.
وفي النهاية، تبقى المعادلة الأكثر وضوحاً أن السلام لا يُصنع بتوسيع الحروب، وأن أمن المنطقة لا يتحقق بتفكيك دولها، وأن التطبيع لا يستطيع أن يحل محل العدالة.
تلك هي الرسالة التي يمكن أن تنطلق من إسطنبول، وتستعيد معناها من بيروت عام 2002: لا استقرار دائماً من دون سيادة، ولا سلام حقيقياً من دون حقوق، ولا مستقبل آمناً للمنطقة من دون دولة فلسطينية مستقلة.

