زياد العسل_ خاصّ الأفضل نيوز
في كتاب" الزراعة اللبنانيّة بين المأزق والحلّ" يقول المفكر والباحثُ الزراعيُّ الدكتور نبيه غانم:
"إنّ أرتجالَ السياساتِ الزراعيّة مؤذٍ كغيابها، ومن الخطأ إنتهاجها مزاجيًّا وتحت وطأة الاعتبارات السياسيّة والانتخابية، أو خضوعًا للتظاهرات الجماهيريّة، واذعانًا للاضطرابات الشعبيّة، فهي ترتبط ارتباطًا وثيقًا باستراتيجية الدولة الإنمائيّة، وتعتبرُ جزءًا من التنمية الاقتصادية والاجتماعية المتكاملة".
ويضيفُ غانم:" السّياساتُ الزراعية، شأنها شأن السّياسات الأخرى،تشتملُ بالعادة، على أهداف محددة، يتمُّ تحقيقها بواسطة وسائلَ هي أيضا محددة، ومن الأهمية القصوى وضع تلك الأهداف،ووسائل تحقيقها أمام متخذي القرار في السلطة التنفيذيّة، كما تجدرُ معرفة ودراسة تأثير هذه الوسائل في الآماد القصيرة والمتوسّطة والطّويلة، والاهتمام بتأثيرِها على سائر القطاعات الاقتصاديّة والاجتماعية، في وجوهها المباشرة، وغير المباشرة".
لعلّ هذا جزءٌ من كثيرٍ طرحهُ غانم وكثرٌ، حول الخطوات واللّبنات الأولى لانقاذ القطاع الزراعيّ، الذي يتهاوى يومًا بعد يوم، حيث تشخصُ العيونُ له وهو ينزلقُ نحو دركٍ صعب، بما يهدّد لقمةَ عيشِ عشراتِ آلاف العائلات، والاقتصاد الوطني الذي لا شكَّ أنه يعتمدُ في مكانٍ ما على هذا القطاع الحيويّ المهم، في كبرى اقتصاديّاتِ العالم، فكيف بالمتهالكةِ منها؟!
القطاعُ الزراعيُّ يحتضر وفي كلِّ عامٍ نجد أنَّ عددَ المزارعين يقلُّ بشكلٍ كبير، وفي السَّابقِ كانت هناك مؤسساتٌ ومصارفُ نستدين منها، فالمحروقاتُ والأسمدةُ والبذار كلها، تُدفع كلفتها بالعملة الخضراء، وهذا ما يؤثر في أسعارها، وقد كنا نسعّر كيلو البطاطا بحوالي ١٠ آلاف ليرة، في الوقت الذي ارتفع سعر الصرف بشكل كبير، والحلول تتمثل بأن تلجأ الدولة بدعم المزارع بالطاقة الشمسية أو المحروقات، لأنها عصب القطاع، وفيما يتعلق بالبصل، فإنتاجه يكون في الشهر التاسع أو العاشر من السّنة، واليوم البصل مُخزّن، وهناك تكلفة كبيرة للتّبريد، ومن هنا ارتفع السّعر، حيث أن الاستفادة هي للتاجر وليست للمزارع، وفق ما يؤكد للأفضل نيوز نقيب مزارعي القمح والحبوب نجيب فارس.
أبو تيسير (مزارع من بلدة كامد اللوز) يشكو "للأفضل نيوز" الغلاءَ الكبير في أسعار الأسمدة والمبيدات، ويقول "احترنا مع من نتحدث أو لأيّ مسؤول في هذه الوزارة أو النقابات). ويؤكد الرجل الستيني" إنّ عملي بات خسارةَ وقت وجهد ومال" ، وما أُنتجهُ في المواسم أو الزّراعات الأخرى، يُتلَفُ أمامَ ناظريّ.
يتحدثُ نقيبُ العمال الزّراعيين في لبنان حسن عباس "للأفضل نيوز" مؤكّدا عمق المعاناة التي يعيشها القطاع برمته، وثمةَ مجموعةٌ من الأزمات التي لا يُحسد عليها المزارعون، مع التحديات المتعلقة بعوامل الطّقس والمناخ، وثمة أزمةً في كلفة الانتاج والتسويق، ولعلَّ أبرز أزمة هي شراء كل الأسمدة والأدوية والبذار بالعملة الصعبة، في الوقت الذي يبيع فيه المزارعُ بالعملةِ الوطنيّة، وهناك موادُّ أوليةٌ بات من الصُّعوبة تأمينها، بالإضافة للرَّي ربطًا بارتفاع كلفة المازوت.
يضيفُ عباس:"دورُ النّقابة في مواجهة هذا الواقع، يتمثّل بمجموعة مشاريع تستهدف تخفيضَ كلفة الانتاج، والدورات التدريبية والتخصصية في الشّأن الزراعي، فهناك مشروعُ لتقديمِ الدَّعمِ للأسمدةِ والأدوية للمزارعين، بهدف تخفيضِ كلفة الإنتاج، ومشروعُ استيرادِ الأدوية الزراعية من المصدر،ومشروعُ البرَّاد والمشْغل لتخزينِ البطاطا وفرزها بالتعاون مع منظمة UNDP، الذي يبدأ عمله مع المزارعين في شهر أيّار المقبل، وهنا لا بدَّ من التعاون مع وزارة الزّراعة، ومع كلِّ الهيئات العاملة في القطاع الزراعيّ.
الأزمةُ تنعكسُ على المواطن بأسعارِ المنتوجاتِ الزراعية، ورغمَ الأسعارِ الخياليّة التي يتضررُ منها المواطن، إلا أنَّ الأمرَ عينُه يؤثِّرُ وبشكل بنيويّ على المزارعِ الذي يتّخذُ من هذه المهنةِ وسيلةً مركزيّةً للعيش. وكلفةُ الأيدي العاملةِ ارتفعت جدًّا، وهذا ما يضيفُ أعباءَ إضافيّةً، لذلك فالمعالجةُ السّريعةُ وخطط العمل هي المطلوبة، قبل الانهيار الكامل للقطاع وفق عباس.
أزمةٌ كبرى يتعرّضُ لها قطاعٌ هو الأساسُ في الأمنِ الغذائيّ الوطنيّ والعالميّ، دونَ أن نلمحَ أيةَ بوادر للإنقاذ، ومع كسادِ المواسمِ نتيجةَ فقدانِ القدرة الشّرائية، وعدم قدرةِ المزارعِ على الاستمرار، يبقى السُّؤال الذي يطفو على سطح المشهد:
هل سيضمحلُّ هذا القطاعُ قريبًا، وتُقطع معهُ أرزاقُ شريحةٍ كبيرة تتنفّسُ منهُ.!

