إسلام جحا - خاصّ الأفضل نيوز
أزمةٌ جديدةٌ تُضاف إلى سجلِّ الأزمات في لبنان، بدأت مظاهرُها تلوّح في الأفق وتهدِّد الأمنَ الغذائيَّ والصِّحِّيَّ لـ١٠ آلاف سجينٍ، وذلك بالتَّزامن مع تهديد الشَّركات ومتعهِّدي تقديم المواد الغذائيَّة بالتَّوقُّف عن تسليم الطَّعام؛ ابتداءً من ٤ من نيسان لعدم استيفائهم مستحقَّاتهم من الدَّولة اللُّبنانيَّة.
يصف مديرُ مركز حقوق السَّجين في نقابة المحامين في طرابلس المحامي محمَّد صبلوح للأفضل نيوز الوضعَ بـ"الكارثي" وغير المبشِّر بالخير؛ نتيجة إهمال الحكومات المتعاقبة لملفِّ السُّجون، والتي وصلتها من ناشطي ومنظّمات حقوق الإنسان رسائلٌ ونداءاتٌ عدَّةٌ عبر لجنة حقوق الإنسان البرلمانيَّة، مفادُها أنَّ السُّجون بخطرٍ ومهدَّدةٌ بالجوع، وستشكّل فيما بعد بؤرةً للفوضى، وانطلاقةً لثورة الجياع إذا ما استمرّ الوضع على حاله.
أزمة غذائيَّة تهدِّد آلاف السّجناء بالجوع
إنَّ ٢٥٪ من السُّجناء فقط كانوا يأكلون من طعام السِّجن، في حين أنَّ ذوي الــ٧٥٪ يشترون من حانوت السِّجن لأبنائهم الطّعام؛ بسبب رداءة الوجبات، إلَّا أنَّه ومع اشتداد الأزمة الاقتصاديَّة بات الأهالي لا يستطيعون شراء الطَّعام لأبنائهم، ما دفعَ بمعظم النُّزلاء إلى الاعتماد على الطَّعام المقدَّم لهم من إدارة السِّجن، الأمر الَّذي زاد من حدَّة الأزمة المتنقِّلة، وإن كانت تتفاوت بين سجنٍ وآخر.
وما فاقم الأزمة اليوم وجعَلَها تطفو على السَّطح هو القرار الذي اتَّخذته الشَّركاتُ المتعاقدة مع الدَّولة اللُّبنانيَّة والمتعهِّدةُ تقديمَ الطّعام للسّجون، والذي قضى بتوقيف تسليم الطَّعام للسُّجناء نتيجة انهيار العملة، وارتفاع الدُّولار، وعدم قدرة الدَّولة على تسديد مستحقَّات الشَّركات. وهذا بحسب المحامي صبلوح سيؤدّي إلى انفجارٍ داخل السُّجون وثورةٍ متزامنةٍ مع فوضى لا تُحمَد عقباها.
الوضع الصِّحِّيُّ كارثيٌّ
هذه الأزمة بدأت تتفاقم جدِّيًا منذ حراك الـ١٧ تشرين ٢٠١٩، خصوصًا في السُّجون الكبرى التي تفوق نسبةُ الاكتظاظ فيها الـ٢٦٠٪ حسب الدَّاخليَّة اللُّبنانيَّة، حيث يقبع نحو ٤٥٠٠ نزيلٍ في سجن رومية وحده من مجمل ١٠ آلاف في كلّ لبنان، يعيشون ظروفًا صعبةً من النَّاحيتين الغذائيَّة والصَّحِّيَّة. إذ تشير الأرقام إلى أنَّ أكثر من ٨٠٠ سجينٍ في رومية فقط يعانون أمراضًا مزمنةً كالقلب، السُّكَّري، الضَّغط، التهاب الكبد، والأعصاب. وبحسب المحامي محمد صبلوح، يزيد الأمر سوءًا مع غياب أيّ مستشفى ميدانيّ في روميه، ممّا أسفر عن وفاة ٢٣ سجينًا في العام ٢٠٢٢ نتيجة الإهمال الطبِّيّ وعدم وجود آليّات العلاج وأبسط الحقوق الصِّحِّيّة، فلدى وقوع أيّ حالةٍ مرضيَّةٍ يتمُّ اليوم اللُّجوء إلى إحدى الجمعيَّات لتأمين التَّبرُّعات أو إلى "اللَّمَّة" من داخل السِّجن لتغطية نفقات العلاج.
اكتظاظٌ غير مسبوقٍ
وتعاني السّجون كذلك من مشكلاتٍ متشابكةٍ ومعقَّدةٍ مثل الاكتظاظ في أعداد السُّجناء، حيث إنَّ سجن رومية شرق بيروت مثلًا يتَّسع لنحو ١٥٠٠ سجينٍ، لكنَّه يستقطب اليوم ضعفَيْ هذا العدد، وأنَّ الزِّنزانة التي تتَّسع لشخصين فقط ينام فيها ما يزيد على ٧ نزلاء بالتَّداور أحيانًا. ويَفصِل بين أماكن نومهم والمراحيض حائطٌ من "كرتون" استحدثه السّجناء، في ظلِّ بيئةٍ تفتقر إلى أدنى مقوِّمات النَّظافة الشَّخصيَّة، ما يتسبَّب بانتقال عشرات الأوبئة والأمراض التَّنفسيَّة والجلديَّة كالجدري والجرب و"الحكّة" وغيرها في صفوف السُّجناء.
اعتكاف القضاة
وعن اعتكاف القضاة وإضرابهم، حذَّر صبلوح من الاستمرار بهذا القرار لما له من تبيعاتٍ سلبيَّة على المحاكمات وإيقاف الجلسات وتأجيل البتّ بالقضايا الإنسانيَّة التي يجب إقفال ملفاتها؛ لأنّ ثمَّة قضايا لا تحتمل التَّأجيل ومن شأنها تأجيج الرَّأي العام وأصحاب القضايا.
مخالفاتٌ في تطبيق القوانين
ويشير المحامي صبلوح لموقعنا إلى أنَّ المرسومَ الصَّادر في العام ١٩٦٨ يُولي إدارةَ السُّجون في لبنان إلى وزارة العدل، لكن وزارةَ الدَّاخليَّة تتولَّى إدارة ٢٥ سجنًا، في حين لا تستطيع اللِّجانُ الدَّوليَّة ومنظماتُ حقَّوق الإنسان الدُّخولَ إلى سجون وزارة الدِّفاع لمعاينة الوضع الإنسانيِّ فيها حتَّى اليوم.
وعلى صعيد التَّحرُّكات، طالبَ صبلوح لجنةَ حقوق الإنسان البرلمانيَّة بدعوة الهيئة الوطنيَّة لحقوق الإنسان بالدُّخول إلى السُّجون ومعاينتها، حيث كشفت الهيئة سوءَ البيئة ورداءةَ البُنى التَّحتيَّة وتلوُّث المياه في وقتٍ سابقٍ.
خطّةٌ لإدارة الأزمة
يؤكّد صبلوح أنَّه حاول جاهدًا مع نقابة المحامين التَّقدُّمَ بخطةٍ شاملةٍ ومتكاملةٍ لإدارة هذه الأزمة، وتقديم مشاريع قوانين لتخفيف الاكتظاظ، من خلال تشكيل لجنة طوارئ عملت بين القضاء والسُّجون مع بداية انتشار جائجة كورونا، وتمكَّنت من إخلاء سبيل ٧٠٠ موقوفٍ خلال ٣ أشهر فقط، وذلك سندًا لنصِّ المادَّة ١٠٨ من قانون أصول المحاكمات الجزائيَّة، التي حدَّدت سقفَ التَّوقيف الاحتياطيّ بالجنح والجنايات، فتبّين أنَّ القضاء لا يطبِّق هذه المادّة، وأنَّ عددًا قد أطلقَ سراحُهم في وقتها.
يضيف رئيس مركز حقوق السَّجين في نقابة المحامين في طرابلس: لأنّ القضاء لا يلتزم تطبيق هذه المادّة تقدَّمنا بمشروع قانونٍ حظيَ بتوقيع عددٍ من النُّوَّاب، وتقدَّم إلى المجلس النّيابي ووُضع ضمن المعجَّل المكرَّر، ثمّ أعيد إرجاؤه لأنَّ ملفَّ السُّجناء لا يشكّل أولويَّةً لمجلسيْ النُّواب والوزراء في هذا الوقت.
وينصُّ مشروع القانون المقدَّم على تخفيض السَّنة السِّجنيَّة إلى ٦ شهور بدلًا عن ٩ ولمرَّةٍ واحدةٍ. ومن شأن هذا الاقتراح أن يخفِّض العدد الإجماليّ للسُّجناء سنويًّا، ويؤسّس لتكون السُّجون مكانًا للإصلاح.
هذا هو الحلّ..
المطلوب من الدَّولة بكلّ أجهزتها وإداراتها إعطاء أولويّة للسُّجون، ومناقشة مشاريع القوانين المقدَّمة، والبحث عن مخرجاتٍ تؤدّي إلى حلولٍ جذريّةٍ، بالإضافة إلى التزام القضاة بعقد الجلسات وفكّ إضرابهم، ومعالجة القضايا بسرعة، وإلّا سيتشكَّل جيلٌ حاقدٌ على مؤسٍّسات الدَّولة نتيجة ما يحصل.
إنَّ السَّير في الخطط الإصلاحيَّة من شأنه التَّخفيف من تبيعات هذه المشكلات بدل المكابرة في الإعلام والتوسُّل لدى الجهات الأجنبيَّة للمساعدة، وإلّا فإنَّ هذا التَّعنُّت الرَّسميّ سيؤول إلى ثورةٍ داخل السّجون وفوضى سيكون من الصَّعب احتواؤها.

