محمود الزّيات - خاص الأفضل نيوز
من أكثر المناسبات التي يُحييها الفلسطينيون، في فلسطين وفي دول الشّتات، ويرتفع معها منسوب الهلع الإسرائيلي، هي ذكرى "يوم الأرض" الذي يُصادف في الثلاثين من آذار من كلّ عام، ويستند هلع قوات الاحتلال الإسرائيلي من هذا اليوم، لكون الفلسطينيين يتعاملون مع الذكرى بكثير من الإصرار على المُضي في مقاومة الاحتلال، والتّمسّك بعودة اللّاجئين في دول الشّتات إلى ديارهم.
لا يحتفل الفلسطينيون بعيد الجلاء.. فالاحتلال الجاثم فوق أرضهم وأنفاسهم منذ خمسة وسبعين عامًا، "ورث" من الانتداب البريطاني في العام 1948، أبشع احتلال على خارطة الأرض، حتّى المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية، ما تزال منقوصة السيادة، ومعرضة يوميًّا للعربدة الإسرائيلية، لدى الشعب الفلسطيني باقة صغيرة من المناسبات الوطنية، وتأتي ذكرى "يوم الأرض" في مقدّمها، فهم يرون المناسبة كـ "عيد استقلال"، طال انتظاره، مع مفارقة، أنّهم يحيون المناسبة بالمواجهات ضدّ الاحتلال، وبالفعل يحرص الفلسطينيون على جعل المناسبة، محطّة من محطّات النّضال الفلسطيني لاستعاده حقّه في أرضه.
ما هي قصّة يوم الأرض؟:
30 آذار عام 1976، في هذا اليوم، حوَّل الفلسطينيون في الجليل والمثلّث والنّقب ومناطق أخرى محتلة منذ العام 1948، إضرابهم العام إلى انتفاضة شعبيّة عارمة، يُجمِع من عاش أحداثها، على أنها زلزلت الأرض من تحت أقدام القادة الإسرائيليين.. في التاسع والعشرين من شباط عام 1976، قرّرت حكومة العدو ضمّ مساحة من الأرض الفلسطينية قُدّرت بـ 20 ألف دونم في منطقة الجليل، وذلك ضمن خطّة سميّت بـ "التّطوير" المعتمدة من قبل وزارتي الإسكان والمالية الإسرائيليتين، وهذه المساحة اعتبرها الاحتلال مرحلة أولى من مخطّط تعزيز الاستيطان، والمساحة المصادرة موزّعة في الناصرة وصفد المحتلتين منذ العام 1948، وأعرب وزير الإسكان الصهيوني عن "سعادته" بضم هذه الأراضي بالقول "لقد مضت عشر سنوات كاملة، لم تجر فيها أيّة عملية مصادرة لأراضي العرب"، وهذه كانت الخطوة الأولى من العمليات الكبرى لمصادرة الأراضي بعد العام 1967.
يومها، وردًّا على خطوة الاحتلال، تحرّكت الهيئات البلدية والقروية الفلسطينية، وقرّرت في اجتماع شهير ضمّ ممثّلين عن بلديات المناطق المحتلّة في العام 1948، الإضراب الشّامل يوم 30 آذار، احتجاجًا على إمعان قوات الاحتلال الإسرائيلي في اغتصاب ومصادرة الأراضي العربية، وردًّا على مشروع التهويد.
وتقرّر تنظيم تظاهرة أمام مبنى "الكنيست" (البرلمان الاسرائيلي)، وقد لقي هذا القرار تأييدًا واسعًا، فعقدت المؤتمرات الشعبية استعدادًا للمشاركة في التحركات المناهضة لخطوات الاحتلال في ضمّ ومصادرة الأراضي الفلسطينية، لكن قوات الاحتلال شنّت هجمات ومداهمات لعددٍ كبيرٍ من الصّالات التي كان يجري فيها التّحضير للتّظاهرة،
إلى أن جاء الغضب الفلسطيني في الثلاثين من آذار، فمع بزوع الفجر، أطلق المئات من الفلسطينيين شعارات تندّد بالاحتلال وبمصادرة الأراضي، وجرت مواجهات في سخنين وعرابة ودير حنا وطرعان وطمرة وكابول والطيبة وكفركنا، وأعنف المواجهات كانت في بلدة شفاعمرو في الخامس والعشرين من آذار 1976، وجاء في بعض هذه الشّعارات: "بالرّوح .. بالدّم .. نفديك يا جليل" و "لا تهويد ولا تشريد .. وعن أرضنا ما منحيد"، لتتحوّل المدن والقرى الفلسطينية إلى ساحات قتال ومسرح لمواجهات عنيفة مع الاحتلال، ومع ساعات الصّباح الأولى كان المشهد يشيرُ إلى انتفاضة توسّعت دائرتها لتشمل كافة المدن والقرى الفلسطينية، وأدّى ذلك إلى سقوط عدد من الشّهداء والجرحى في صفوف الفلسطينيين، وإلى اعتقال المئات من المشاركين.
بعد عام، احتفل الفلسطينييون بإحياء يوم المواجهات الطويل، فاطلقوا عليه "يوم الأرض"، الذي تحوّل إلى أيقونة في دفاع الشعب الفلسطيني عن أرضه، وتُرجمت المناسبة بالمُلصق والفيلم والصورة والقصيدة التي توالى على كتابتها كبار الشعراء الفلسطينيين، فوقف الشاعر الفلسطيني توفيق زياد، الذي كان في قلب المواجهات ضد الاحتلال، من موقعه كرئيس لبلدية الناصرة، ليخاطب الفلسطينيين بالقول "لقد اصبح لشعبنا قامة تطال السماء وأصبح صوته يخترق كلّ زاوية وكلّ بقعة في بلادنا والعالم أجمع، وأنّ معركة العرب لم تنته بعد، وكذلك معارك الدفاع عن الوطن وعن حقوقنا القومية والمدنية، ومازلنا في عزّ المعركة المستمرّة حتّى النّصر، لقد علمنا العالم أنه كان لا بدّ من الاستشهاد دفاعًا عمّا تبقّى من الأرض".. ومنذ سبعة وأربعين عامًا ، والاحتلال يتحسَّب لذكرى "يوم الأرض"، الذكرى التي تحمل رمزية وقدسيّة لدى الفلسطينيين الذين يتوارثون إحياءها .. جيلًا بعد جيل.

