زياد العسل - خاصّ الأفضل نيوز
"لا نملكُ شيئًا لنخسرَهُ، فقد خسرنا أموالنا في المصارف وجنى العمر". بهذه العبارة يتحدّث العمّ منير، من جوار مدينة زحلة البقاعية "للأفضل نيوز"، واصفًا فقر الحال التي وصل لها على شتّى الصُّعد والميادين، مؤكّدًا أنه باع هاتفَه المحمول بنصف سعره، ليتمكّن من شراء الخبز والمازوت، حيث إن راتبه التّقاعدي لم يعُد يكفيه لتأمين الدّواء، وهو يفكّر جدّيًا ببيع التّلفاز، حيثُ إنّ الحال التي وصل لها، تدفعه إمّا للبحث عن عمل يتلاءم مع سنّه (72 عامًا)، أو الصّراخ ورفع الصّوت عاليًا وصولًا للتّفكير بالانتحار.
ينظرُ علمُ الاجتماع بخوفٍ شديدٍ إلى ما يحصل في لبنان تحت وطأة التّحديات والظروف الاقتصادية الصّعبة، إذ تلاحظ المتخصّصة في الأنتروبولوجيا سوزان منعم أن "اللبناني باتَ يعيش وفق نمط كل يوم بيومه". وتعيد ذلك إلى أسباب عدة، هي فقدان العمل وجائحة كورونا والتوترات السياسية والأمنية. وتلفت إلى أنّ الدّراسات الميدانيّة تشي بمخاطر كبيرة، إذ هناك "عائلات تعتاش على ربطة خبز وعلبة تونة"، ملاحظةً ظهور طبقة جديدة في لبنان هي "الفقراء الجدد"، على غرار ما كان يُحكى عن "الأغنياء الجدد".
سهى وهي سيّدة بقاعية في منتصف العمر، عرضت عبر إحدى تطبيقات وسائل التّواصل الاجتماعي بيع "سجّادتين" "وبرّاد"، وذلك للاستمرار بإطعام أطفالها الرُّضع، فالمهمّ في الأمر هو أن لا تصلَ لمرحلة التّسول وفق تعبيرها، وتضيف: "لا يهمّ مقتنيات المنزل"، المهمّ أن لا أرى أطفالي يموتون أمام ناظريّ.
أبو مكرم، وهو صاحب دكّان في منطقة راشيا، يؤكّد أنّ ثمة أشخاص باتوا يشترون أمورًا، لم تكن تخطر على بال، كبيضةِ دجاج واحدة، أو حبّتي بندورة، أو ب"30 ألف بنّ للقهوة"، مؤكّدًا أن هذا المشهد بات يتكرّرُ بشكل يوميّ مُكثّف، وهو يتزايدُ وهناك زبائن اختفوا منذ سنة لليوم، والحبل عالجّرار".
"سيبقى اللبناني يعيش حالة من التيه وفقدان الإحساس بالأمان. ويعتقد الخبير الاقتصادي دان قزي أن "لبنان سيشهد هبوطاً في مستوى المعيشة لدى جميع الطبقات الاجتماعية، حتى الطبقات الغنية التي لا يمكنها سحب ودائعها البنكية لعدم امتلاكها الواسطة"، وفق تصريح للخبير الاقتصادي دان قزّي، ويشير قزي إلى أن نسبة البطالة منذ سنوات لا تقلّ عن 30 في المئة، وقد تصل إلى 50 في المئة في صفوف الشباب، وهؤلاء لا يشعرون بتأثير سعر الدولار لأن أجورهم عند مستوى الصفر، لذلك يطمحون إلى الهجرة من أجل الإنفاق على عائلاتهم المقيمة في لبنان.
رمضان هذا العام بنكهةٍ قاسيةٍ، فالصّيامُ إضافة لأنه فريضةٌ أراد الخالق بها خير الإنسان، بات أمرًا واقعًا من سنوات، في وطن ينامُ فيه شعبهُ خاويَ الأمعاء، دون حياةٍ لمن يسمعون الصّراخ؟ فهل يسمعُ نجيبٌ من ساسةِ القوم لهذا الوجع؟.

