أكرم حمدان- خاصّ الأفضل نيوز
كثيرةٌ هي التواريخ والمناسبات التي يستذكرها ويحتفي بها اللبنانيون، وسط الانقسام الحادِّ الذي تعيشه "الشعوب "اللبنانية،إذا جاز التعبير،ومن هذه المحطات والتواريخ الثالث عشر من شهر نيسان من كلِّ عام ، وهو التاريخ الذي يرمز ويُذكر بانطلاقة الحرب التي عاشها لبنان واللبنانيون على مدى 15 سنة واختلفوا بتوصيفها منذ العام 1975، فهناك من سماها "أهلية" وهناك من أطلق عليها "حرب الآخرين على أرضنا"وهناك من دمج بين التوصيفين معاً.
فهل انتهت فعلاً مفاعيل تلك الحرب أم أنَّ صوت القصف المدفعي وأزيز الرصاص ورعب تفجير السيارات المفخخة، هو الذي توقف؟؟
وهل إنَّ الأسباب التي أدت إلى اندلاع تلك الحرب، قد انتفت؟؟ وهل اتعظت "الشعوب اللبنانية" مما جرى بينما كلُّ فريق لا يزال يتمترس خلف طائفته ومذهبه وزعيمه وحزبه ، ويطلق الاتهامات ضدَّ الفريق الآخر؟؟
أليست الحروب المستعرة دائما عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي لم تكن موجودة سابقاً ، تعتبر فصلاً جديداً ومستمرًّا لتلك الحرب؟؟
عندما نستعيد شريط الأحداث والمحطات التي تلت اتفاق الطائف الذي أنهى تلك الحرب العبثية في العام 1990 ، ولا سيما محطات التوتر والاقتتال الداخلي، وتحديداً منذ العام 1993 وحتى اليوم، يتبين أنَّ جهوزية الأطراف التي شاركت في تلك الحرب لا تزال عالية ، علماً بأنَّ هناك قوى وأطراف جديدة دخلت على الساحة السياسية، لم تكن موجودة أو مشاركة في تلك الحرب ومنها من هو أكثر تطرفاً في خطابه ونظرته للفريق الآخر.
وبدل أن نتوقف مليًا أمام ذكرى ١٣ نيسان ١٩٧٥، ونأخذ العبرة لإعادة تثبيت ركائز السلم الأهلي والتشبث بعروبة لبنان خيارًا لازمًا والتأكيد على روح الطائف لترسيخ وحدة لبنان أرضًا وشعبًا ومؤسسات، هناك من يُطالب ويدعو إلى طروحات تقسيم وتمهيد جديد لإعادة بعث تلك الحرب التي سُميت أهلية ،كالفيديرالية.
48 سنة مرت على اندلاع تلك الحرب البشعة، وما زال لبنان واللبنانيون يُعانون من ويلاتها، ومضاعفاتها الاجتماعية والديموغرافية، ومن مخلفاتها المدمرة للبشر والحجر.
قبل ذلك التاريخ الأسود، كانت مفردات الطائفية البغيضة محصورة ، ولم تكن متداولة بين الطلاب والشباب، و كانت هيبة الدولة يجسدها شرطي السير، وكانت بيروت "سويسرا الشرق" بما تعنيه من عنوان للنجاح والتطور في ميادين مختلفة.
لقد كان هذا التاريخ بدايةً لحربٍ طاحنة لم تنتهِ ذيولها بعد، وتورّطت فيها جهات عديدة عربية وإقليمية ودولية، كما كانت "نموذجاً" لحروب أهلية عربية حدثت في مشرق العرب ومغربهم وفي عمقهم الأفريقي بالسودان.
لقد كانت تلك الحرب مزيجاً من عوامل مركّبة داخلية وخارجية تحرّكت معاً لتصنع أتونها والصراع المسلّح.
هكذا هو التاريخ اللبناني المعاصر، منذ حكم المتصرّفية وحرب عام 1860 بتشجيع وتسليح أجنبيٍّ فرنسيٍّ وبريطانيّ، ثمّ عام 1958 حينما شهد لبنان أحداثاً دموية كانت نتيجة أزمة سياسية داخلية، وتأثير خارجي نتج عن إعلان مشروع حلف أيزنهاور والصراع الأميركي مع مصر عبد الناصر.
لكنَّ العامل الأهمَّ في الحرب اللبنانية، كان المشروع الإسرائيلي الهادف لتحطيم النموذج اللبناني الذي تحدّث عنه أمام الأمم المتحدة عام 1974 رئيس الجمهورية اللبنانية آنذاك سليمان فرنجية، لحلّ القضية الفلسطينية من خلال دولة فلسطينية ديمقراطية تضمّ اليهود والمسلمين والمسيحيين كما هو النموذج اللبناني القائم على تعدّد الطوائف.
لقد كان العامل الإسرائيلي الأكثر تأثيراً في تلك الحرب من خلال الاحتلال المباشر عام 1978، ثمّ الغزو والاجتياح وصولا للعاصمة بيروت عام 1982،لكنه فشل في تجزئة هذا الوطن الصغير الذي كان أول بلد عربيٍّ يُجبر إسرائيل على الانسحاب عام 2000 بفضل المقاومة.
لقد انتصر اتفاق الطائف العربي على مشاريع التقسيم الطائفي الإسرائيلي، وعلى محاولات تكريس إقامة دويلات دينية وإثنية في عموم منطقة "الشرق الأوسط" من خلال الحروب الأهلية.
ما جرى في لبنان منذ 48 عاماً كان "نموذجاً" أرادت وعملت إسرائيل على تعميمه على بلاد عربية أخرى.
فما حدث في لبنان تكرّر في السودان وأدّى إلى تقسيمه، كما جرت حروب مماثلة في كلٍّ من الجزائر ،العراق ،الصومال،سوريا ، ليبيا واليمن، ومصر كانت مهدّدةً أيضاً.
اليوم وبعد ٤٨ سنة،ورغم الكثير من الويلات ومقولة "تنذكر وما تنعاد"، يبقى أمل اللبنانيين بغد أفضل مرهوناً بتاريخ وظروف نشأة هذا الكيان ونظامه السياسي وموقعه الجغرافي وقدرتهم وقناعتهم على التخلص من النظام الطائفي المتوارث ، والذهاب نحو تنفيذ مضمون ما لم يُنفذ من اتفاق الطائف حيث تُصبح المواطنة أساس الانتماء .

