ليديا أبو درغم – خاصّ الأفضل نيوز
لا يُعدّ الخلافُ بين جناحَي المكوّن العسكري (الجيش والدّعم السريع) في السودان جديداً، وهو خلاف يدور في المقام الأول حول مكتسبات كل منهما في حقبة ما بعد الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير، ويرتبط بالمنافسة الشخصية بين قائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان، وقائد قوة الدّعم السريع محمد حمدان دقلو "الشهير بحميدتي" على النفوذ.
وقد وقعت الجولة الأخيرة من الخلاف، التي مهّدت للتّوترات الحاليّة، إثرَ التوقيع على الاتفاقِ الإطاري المؤسس للفترة الانتقالية في 5 كانون الأول 2022، وهو الاتفاق الذي أقرّ بخروج الجيش عن السياسة وتسليم السّلطة للمدنيين، ونصَّ في الوقت نفسه على دمج قوات الدّعم السريع داخل صفوف الجيش، وهو النقطة التي أفاضت الكأس.
رهانُ السودان اليوم يشهدُ تطوراتٍ بالغةَ الخطورة، أبرزها الإنقسام الأفقي والرّأسي في المجتمع وتزايد التّدخلات الخارجية السّافرة ومحاولة اختطاف الدولة من قِبل تحالفاتٍ سياسيّة عسكريّة ترعاها أطراف دوليّة، تُدرك جيداً ما يجري على أرض السودان لأن لديه معرفة بقادة السودان، الذي دخل اليوم مرحلة التّجاذبات الدّولية، لذلك الوضع الدولي قد يتطور أكثر بدعم غير مباشر بذريعة تصاعد العنف في السودان.
والسّؤال الأهم يتعلق بالظروف التي أوصلت السودان الى هذا الوضع؟
هنا لا بدّ من العودة الى جذور نشأة "قوات الدّعم السّريع"، وتجنيدِ مقاتلين لصالح الإمارات في حربها في اليمن، والدّعم العسكري والمادي والدّور الاقتصادي لاحقاً، "تجنيد الذهب والنحاس"، وأخيراً اليورانيوم والنّفط، الذي يُدِر أموالاً طائلةً يذهب القليل منه لخزينة الدولة فيما يهرّب الجزء الأكبر إلى الخارج.
والنقطةُ الفاصلة، زيارة "حميدتي" الى القاهرة في تموز الماضي طارحاً مشروعه السياسي الكبير الذي تخطّط له الإمارات، لكن النتائج لم تأتِ كما أراد صاحب الطموح الجامح الذي تسيّد المشهد منذ نيسان 2019 بعد سقوط البشير، فقد أبلغته مصر رسمياً أنها لن تسمح بتمدّد ميليشيا قبيلة مسلّحة خصماً للجيش السوداني.
فبعد إزاحةِ البشير قدمت الإمارات الدّعم والتأييد للمجلس العسكري السوداني بقيادة "حميدتي"، وحصل السودان على مبلغ 3 مليارات و200 سيارة عسكرية مجهّزة بدفع رباعي.
ومعروف قبل ذلك أن حكومة البشير كانت قد انتزعت قراراً أميركياً مدعوماً خليجياً برفع العقوبات الاقتصادية المفروضة منذ التسعينات، واستمر الدّعم، وهذا المناخ الهشّ سمح لـ "حميدتي" بالتّمدد، فجنوده يقاتلون في اليمن، هذا ما منحه قوة عسكرية وسياسية داخل مؤسّسات الدّولة السّودانية، ليتحوّل الى لاعب أساسي في منظومة الحكم والسّلطة فرضته قوته العسكرية ومن ثمّ الاقتصادية، وتوسّع التّمدد العسكري لقواته وأقام معسكراتٍ ومعاهدَ عسكرية لتأهيل وتدريب العناصر، وتأسيس مطارين حربيين في إقليم دارفور غربي السودان، واليوم يسعى الى وراثة امبراطورية النظام البائد الاقتصادية وتهريب المعادن الى الخارج.
لقد انعكست التّحولات الخارجيّة في العالم العربي والمعادلات الإقليمية الجديدة سلباً على مشروع "حميدتي"، ومثال ذلك موقف مصر المُعلن، وهناك مواقف أخرى تتغير تبعاً للمصالح والتّحولات الجارية.
الوضع العربي يشهد تغيراً إيجابياً واعداً، بعد أن أدركت الدول العربية أهمية تصغير المشاكل، وضرورة التّعاون لصيانة أمنها وتقوية اقتصادها، والاعتماد على الذات بعيداً عن الحماية الأميركية المزعومة.
وما يحصل من صراع دولي تقوده روسيا الإتحادية والصين والدول الحليفة لهما، في مواجهة الأحادية الأميركية – المتصهينة، هو لخلق عالم جديد يسوده العدل والسلام والتّعاون في مجال الاقتصاد والتبادل.
وفي ظل هذه الأجواء، يجب أن تتضافر كل الجهود لدرء الإنهيار في السودان ووضع حدًّ للصراع والانقسام وتوحيد القدرات لصالح المواطن العربي التّواق إلى فجرٍ جديد.

