ممتاز سليمان - خاصّ الأفضل نيوز.
بعد معاركَ ضاريةٍ أصدر المجلسُ التأديبيّ للقضاة قرارَه بصرف القاضية غادة عون من الخدمة.
جاء القرارُ صادمًا على الجسم القضائي
والحقوقي بشكل عام، وإن اختلفت ردّات الفعل والآراء التي تراوحت بين الشماتة والإرتياح لهذا القرار، وبين اعتبارِه رصاصةً أصابتالقضاء في مقتل.
فالتّيار الوطني الحرّ الذي استنكرَ القرار واعتبره مجحفًا ومسيّسًا، شنَّ حملةً شرسةً ضدّه ناعيًا القضاء ومتّهمًا المنظومة بإحكام سيطرتهاعلى القضاء والبلد، حتى رئيس الجمهورية السّابق ميشال عون غرّد معتبرا القرار بمثابة قضاء على القضاء، وأنه جاء نتيجة مواجهةالقاضية غادة عون لمافيا الفساد.
في الحقيقة وبمعزلٍ عن المواقف السياسيّة وانقساماتها فلا شك أن القاضية عون قد تكون أكثر القضاة إثارةً للجدل، في تاريخ القضاءوالسّياسة في لبنان.
فالمرأة قد شغلت الرأي العام اللبناني في السّنوات الأخيرة نتيجة ظهورها الإعلامي المتكرّر ومواقفها وطريقة عملها غير المعتادة، بحيثأصبحت تُبدي رأيها علنا بكل ما يدور في السياسة والقضاء.
لا أحدَ من الخصومِ قبل الأصدقاء يشكّ في نظافة كفّ القاضية غادة عون، خلال مسيرتها الطويلة التي امتدّت على مدى أربعين عامًا، وإلالما كان وفّر خصومها هذه الورقة لمهاجمتها، ولكن المأخذ الكبير عليها كان في تصرّفاتها التي شكّلت خروجا صارخا على المألوف والمفروضعلى القاضي، والذي كما قلنا شكّل سابقة في تاريخ القضاء في لبنان.
فالقوانين اللبنانية التي تمنح القاضي مكانةً عاليةً ومركزًا مرموقًا، تفرِضُ عليه انطلاقا من وظيفته ورسالته التّقيد بأهمّ مبدأ يُوحي بعلوّ مركزالقضاء ورِفعته وهو موجب التّحفّظ الذي يجعل القاضي مترفّعا عن الخوض في الملفّات التي يُنظر فيها علانيةً أو يظهر آراءه وتوجّهاتهالسياسيّة، بما يجعله منيعا في حصنه القضائي.
هذا العُرفُ السّاري المتعارَف عليه خرقته القاضية عون بشكلٍ سافرٍ وصارخٍ، فهي منذ اليوم الأول لتسلمها منصب نائب عام استئنافي فيجبل لبنان لم تتورّع عن إظهار مواقفها السياسية المؤيّدة لرئيس الجمهورية ميشال عون وعهده ،الذي كانت له اليد الطولى في إيصالها إلىهذا المنصب بعد إصرارٍ وعنادٍ كبيرين،
حتى أنه وعندما تمّ إصدار تشكيلات قضائيّة نقلت القاضية عون من منصبها رفض رئيس الجمهورية توقيعها فقط كرمى لعيونها ، ما ساهمفي ما شهدناه ونشهده من ترهّل وجمود في العمل القضائي نتيجة مكوث القضاة في مراكزهم لأكثر من سبع سنوات والا يزالون خلافا لمبدأالمناقلة والمداورة ما سبب ويسبب ركودًا وخمولًا.
والقاضية عون لم تتورّع أو تجد حرجًا في إعلان مواقفها السياسية إلى جانب رئيس الجمهورية والتّيار الوطني الحرّ، حتى وصفت بالذراعالقانونية للعهد والتّيار لضرب الخصوم قضائيا عندما يتعذّر ذلك بالسياسة، كما حصل في قضيّة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة حيث لمتنفع محاولات التيار في إقالته وتعيين بديل له فتمّ شنّ حرب قضائيّة بواسطة نائب عام جبل لبنان عليه وفتحت الملفات يمنةً ويسرة، إذ أخذعلى القاضية عون فتحها للملفّات ومكافحة الفساد باستنسابية ومن ناحية سياسية واحدة وعدم مقاربة أو فتح ملفات الفريق الآخرالمناهض، فضلا عن الإستعراض في العمل القضائي كما حصل في قضية شركة مكتف للخدمات المصرفية وما رافقها من خلع أبواب وحجزأجهزة كمبيوتر، واصطحاب جماهير حزبية في تحركاتها.
هذا الأداء القضائي الخارج على المألوف والمثير للجدل فضلا التّمرد على قرارات التفتيش القضائي وعدم الإمتثال لتوجيهاته واحترام موجبالتحفظ ، كلها تراكمات ساهمت في تكوين ملف دسم ضدها.
واذا كان العهد الرئاسي طيلة الفترة الماضية قد لعب دور الحصن والمظلّة في الحؤول دون محاسبة القاضية عون، إلا أنه ظهر جليًا من خلالقرار الصرف وتوقيته بعد انتهاء ولاية الرئيس وما رافقها من ضعف التيار الوطني الحر على الصعيد السياسي، في ظل الخصومات المتعدّدةمع أغلب المكوّنات السياسيّة لا سيما الحليف الريس حزب الله جعله يكتسب طابع الإنتقام والتشفي.
ولكن على أية حال ينبغي أن لا يتمّ التعاطي بموضوع القضاء بكيديّة واستنسابيّة وحبذا لو يتم فتح ملفات ومعاقبة كل الفاسدين في القضاءالذين يتمتّعون بحمايات وحصانات حزبيّة سياسية، لأن في ذلك السبيل الوحيد للحفاظ على ما تبقّى وإعادة البناء بعدما تهدّم كل شيء.

