هادي بو شعيا - خاصّ الأفضل نيوز
لم يعد خافيًا على أحد أنَّ حكومة الاحتلال الإسرائيلي برئاسة بنيامين نتنياهو، دخلت منذ لحظة تأليفها، في صراعات وأزمات وتحديات جمة، كانت أبرزها على الصعيد الداخلي الأزمة الأمنية، وأزمة رفض الخدمة العسكرية لمئات العناصر في وحدات الجيش الإسرائيلي وسلاح الطيران ووحدة 8200 التابعة للاستخبارات الإسرائيلية، وتصاعد الصراعات السياسية الداخلية التي رفعت مؤشرات نشوب حرب أهلية، وأزمة التعديلات القضائية التي ضربت عصب حكومة نتنياهو وجعلتها عاجزة عن إيجاد حلول آنية لها.
ولعلّ أبرز هذه الأزمات المستمرة هو الأزمة الداخلية المتمثلة باستمرار التظاهرات للأسبوع الـ18 على التوالي، رفضاً للتعديلات القضائية التي يسعى نتنياهو لإقرارها، وسط مؤشرات جديدة وكبيرة على فشل مسار المفاوضات التي يستضيفها رئيس الاحتلال الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ شخصياً.
أما على الصعيد الخارجي، فالخلافات مع الإدارة الأميركية بلغت ذروتها برفض البيت الأبيض دعوة نتنياهو إلى زيارة واشنطن، والأزمة مع الاتحاد الأوروبي التي طفت على السطح بشأن سياسات الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية والطلب الإسرائيلي من الاتحاد الأوروبي علناً عدم التدخل في الخلافات الإسرائيلية الداخلية، وهو ما كشفت عنه صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية، فضلاً عن الانتكاسة في تطوير مسار التطبيع مع الدول العربية في المنطقة.
ما يعزّز حجم الفشل الَّذي وقعت فيه حكومة نتنياهو في الأشهر الأربعة الأولى من تأليفها هو ما أكده آيال خولتا، الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي والمسؤول في جهاز الموساد الإسرائيلي، في تصريحات لصحيفة "يديعوت أحرونوت"، عما وصفها بالإخفاقات الأمنية الأربعة التي وقعت فيها حكومة نتنياهو، سواء ما يتعلق بالواقع في المسجد الأقصى، وتصاعد التوتر مع المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، وتنامي عمليات المقاومة في الضفة الغربية والقدس، والتحديات الأمنية على جبهتي لبنان مع حزب الله وسوريا، وهو ما أفرزته الأحداث الأخيرة من تآكل كبير لقوة الردع الإسرائيلية، وكذلك الملف الإيراني وتداعياته.
إزاء ذلك كلّه، يأتي إعلان نتنياهو، استعداد الجيش لـ"حرب متعددة الجبهات"، وسط تصاعد الأزمة في غزة، تساؤلات بشأن سعيه لاستغلال الموقف للتخفيف من التحديات الداخلية التي تواجه حكومته منذ تشكيلها.
عود على بدء، حيث سارعت إسرائيل إلى إطلاق عملية "السهم الواقي" والتي بمقتضاها جرى استهداف 3 من قادة حركة الجهاد في قطاع غزة، وأودت أيضًا بحياة 10 آخرين بينهم نساء وأطفال، فيما بدأت جولة توتر جديدة مع الفصائل الفلسطينية.
تأتي تلك التطورات في أعقاب إطلاق فصائل فلسطينية صواريخ على جنوبي إسرائيل، الأسبوع الماضي، إثر وفاة الأسير الفلسطيني البارز خضر عدنان في السجون الإسرائيلية بعد إضراب استمر 87 يومًا.
على وقع العملية العسكرية الإسرائيلية، أعلن حزب "العظمة اليهودية" الذي يتزعمه وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف، إيتمار بن غفير، إنهاء مقاطعة اجتماعات الحكومة، في تحوّل سياسي لصالح نتنياهو، على الرغم من كون ذلك لا ينهي الخلاف بين حزب الليكود الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء وحزب بن غفير، حيث كان بن غفير قد قرر مقاطعة اجتماعات الحكومة والكنيست الأسبوع الماضي، احتجاجًا على ما وصفه بأنه ردُّ فعل "ضعيف" تجاه الصواريخ التي أطلقتها الفصائل الفلسطينية على جنوب إسرائيل.
وفي تحليل للموقف الراهن، تأتي العملية العسكرية ذات الإمكانات التصعيدية في وقت تعاني الحكومة من أزمة سياسية وضعف داخلي كنتيجة لأزمة "الانقلاب الدستوري". ذلك أنَّ العملية العسكرية ستُعتبر دائمًا مدبّرة سياسيًا وتعتريها الشكوك حول النوايا الحقيقية الكامنة وراءها.
مما لا شك فيه، أنَّ الهدف الماثل خلف ما يجري حالياً ينطوي على ما هو قمع الانتقادات الموجهة للحكومة، وترسيخ الائتلاف الحاكم وتغيير الأجندة بشكل فوري من الدستور السياسي إلى قضية الأمن، وهذه هي وسيلة نتنياهو التي باتت مكشوفة للقاصي والداني لإخراج نفسه من الموقف السياسي الذي وجد نفسه فيه.
وفي قراءة متأنية لانعكاس العملية العسكرية في غزة على تحديات نتنياهو الداخلية يمكن ذكرها في عجالة:
- معاناة نتنياهو، في الأيام الأخيرة، من أزمة داخل حكومته بخلاف أزمته مع المعارضة، وبدأت الأمور في العودة للضغط عليه، ما دفعه للبحث عن قربان يعتبر أقل خسارة بالنسبة له، والذي وجده في "الجهاد الإسلامي" في قطاع غزة.
- استبعاد نتنياهو لفكرة شنّ هجوم على حزب الله في لبنان، خوفًا من انزلاق الأمور نحو حرب واسعة، بينما يرغب في شنّ عملية محدودة يستطيع أن يجمع أوراقها بكل هدوء.
- تقييمات الأجهزة الأمنية في غزة التي خَلُصَت، على ما يبدو، إلى أنَّ حركة حماس لن تشارك في الأحداث كما حدث في استشهاد خالد منصور وتيسير الجعبري، وبالتالي سيتعين على الجهاد الرد وحده وسيكون لدى الحكومة الإسرائيلية القرار في موعد إنهاء تلك الأزمة.
- عدم رغبة نتنياهو في توسيع المواجهة، ولكن يسعى لتجميع قواه، ما أسفر، إثر العملية العسكرية، عن تأييد أكبر له، وخصوصًا من بيني غانتس ويائير لبيد، وتحويله دفّة الأزمات الداخلية في تل أبيب إلى فكرة الحفاظ على الأمن الداخلي مجددًا.
لكن في المحصلة، إذا ما خرجت الأمور عن السيطرة وانزلقت باتجاه حرب طويلة، في ظلِّ وعود محور المقاومة بالرد في المكان والزمان المناسبَيْن، لا شك أنَّ أوهام نتنياهو المبنية على سياسة الحروب "المرقّطة" ستتبدّد، نظرًا لعدم قدرته على جلب الأمان إلى مستوطني غلاف قطاع غزة أو حتى تل أبيب في وقت تغيب فيه جهوزية العدو الإسرائيلي لحرب برية.

