هنادي السمرا- خاصّ الأفضل نيوز
ما أشبهَ اليومَ بالأمس.. وكأنّ الصورةَ تأتي بومضاتٍ سريعةٍ ومتكررةٍ، ولبنان يبقى الوطن المنتظر دائمًا وأبدًا على رصيف التّسويات الخارجيّة، والقابع في قبو المؤامرات و المصالح السياسيّة الداخليّة، ولا حسيبَ ولا رقيبَ ولا حياةَ لمن تُنادي..!
فالسياسة هي نفسها والعراقيل هي نفسها، والمخطّطات هي ذاتها. ربما وراء الأكِمة ما وراءها، فكيف لا؟ فالنظام على حاله، لا بل الى مزيد من الانغماس في عناوين الفساد والمحسوبيات و'مرّقلي لمرقلك.. والسياسة تحوّلت إلى سياسة الحق مع الأقوى. أما الوجوهُ فهي نفسها لم تتغير، وإن تغيّرت فشكلًا وليس مضمونًا..
أما حالُ البلد اليوم، فأشبه بمريض الكوما إذ باتت كل مؤسّساته في غيبوبة تامة، وتعيش على أجهزة التّنفس الاصطناعيّة، وعين أبنائه متوجهة إلى بلد للهجرة، يتركون وراءهم هويتهم اللبنانية ليستبدلونها بهوية لاجئ، أو مهاجر أو هارب من الفقر والعَوز وتردّي الأحوال.
السياسيون يختلفون على جنس الملائكة، ويجتمعون على خراب الوطن، بغضّ النظر عن الآلية والهدف.
فرئاسة الجمهوريّة معطّلة رغم المحاولات المتكرّرة، والتّشريع في المجلس النيابي معلّق، والتّعيينات مرحّلة إلى أجل غير مسمى، بانتظار تقاسم الجبنة.. وبهذا فإن ساستَنا- أو معظمهم- ينشغلون كل حسب حجمه أو إمكاناته، بهدم حجر في أساسات وطننا الجريح دون أن يلتفت إلى احتمال سقوط الهيكل فوق الجميع؛ لأن الجميع في حساباته يحمل صفة "مواطن" يقع تحت عبء البنيان المتداعي. أما أصحاب الألقاب، فوحدهم سينزلون من المركب قبل غرقِه بعد أن شاركوا في أحداث شقوقه، فيتباكون على انهيار الوطن، وهم يتمشّون في الشانزليزيه أو البيكاديللي، أو حتى يقضون إجازاتهم الصيفية في جزر الكاناري، فيما المواطن بعد أن فشلت ثورته تحت مسمى ثورة الجياع، وتحوّلت إلى استعراضات حزبية أو رسائل خارجية، اكتفى بالنّحيب على الأطلال.
ولعل ما يختصرُ حالَ الوطن مشهدٌ مرّ أمام عينيّ، يلخّص قصّة وطن ابتُليَ بداء المصالح الخاصّة والصراعات الفئوية، فهشّمت بنيانه وقطّعت أوصاله، لا بل جعلته جسدًا بلا روح.. فبالأمس وأنا أنتظر عند إشارة المرور شاهدتُ صبيًا صغيرًا، يقف أمام فرن لبيع المناقيش. عين على منقوشة الزعتر الساخنة، وعينٌ على يده التي تحمل عشرة آلاف ليرة.. ووقف حائرًا ينقل نظراته يمينًا ويسارًا، فلا هو قادر على شرائها؛ لأن ثمنها يساوي مئة ألف، ولا هو قادر على إسكات جوعه الدّفين.. وهنا حضرني سؤال: هل أتدخّل وأنقذه فأشتريها له أم أكتفي بالنظر استنادًا إلى مقولة "بدل أن تطعمني سمكة، علمني كيف أصطاد. فلا أنا باستطاعتي أن أقدم له سمكًا، ولا هو في وارد تعلُّم الصيد بعد أن أصبح الطّريدةَ والضّحية.
وبالاستعانة من طارق بن زياد: "أين المفرّ البحر من ورائكم والعدو أمامكم".
هذا الكلام يلخّصه أيضًا ما قاله رئيس الحزب التّقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط في توصيفٍ ساخرٍ لتعنُّت بعضهم، وانسحاب بعضهم الآخر من محاولة الانقاذ، والبدء بانتخاب رئيس للجمهورية كخطوةٍ أولى نحو إحياء العمل المؤسّساتي في البلد.. حيث تساءل: "متى سيخرج المنقذ المنتظر نسر الإصلاح وحبيب الجماهير من صندوق الاقتراع، بعد تصويت نواب الأمة الأبرار، ومباركة سفراء السند والهند، ويعلو شامخًا حتى يلامس الشمس والثريا، حاملًا الأرجوان من صندوق النقد شاهرًا صولجان العدل والملك، متى يا قوم متى". ونحن بدورنا نسأل أصحاب الشّأن جميعهم دون استثناء: متى ترحمون لبنان واللبنانيين يا قوم متى؟!.
وفي المحصّلة، فإن ما لوّح به رئيس مجلس النواب نبيه بري أمام العشائر العربية بضرورة انتخاب رئيس قبل 15 حزيران كحدٍ أقصى،لأن لا أحدَ يعلم أين سيتجه البلد في حال استمرار الشّغور، يضع الجميع أمام مسؤولية تاريخية، بالتّزامن مع الحراك العربي والغربي، وفي ظل تأكيدات لأكثر من مصدر مطّلع أن الأجواء الخارجية مشجعة وملائمة.
وطالما أن فريقَي الممانعة والمعارضة على يقين ألا إمكانية لأحد منهما بتأمين النّصاب السياسي قبل الدستوري، لإيصال مرشّحه دون التوافق بالحد الأدنى، أو بحضور الجميع الجلسة وتطبيق اللعبة الدّيموقراطيه، فإما بوصول رئيس تيار المردة سليمان فرنجية الذي تصرّ عليه كتلتا أمل وحزب الله، أو وصول مرشح موحّد للمعارضة - لم تظهر معالمه بعد- لا يشكل استفزازًا للفريق الآخر.
والمرجّح أن تتكثف الاتصالات والمشاورات السياسيّة والنيابية في الساعات والأيام المقبلة للوصول إلى الهدف المرتجى، وإلا فما النفع إذا انتُخِب رئيس بعد فوات الأوان، وبعد تحوّل الجمهورية اللبنانية إلى كيان فارغ دون شعب أو جمهور..!. والسؤال الأهم: هل نتعلم من تجارب الماضي، وننتظر أن يأتي الترياق من العراق أو أي بلد آخر - عربيًا كان أم أجنبيًا لم نعد في سلّم أولوياته - أم نندم حيث لا ينفع الندم؟.
المرحلة الفاصلة التي نمر بها وصولًا إلى ١٥ حزيران كفيلة بالرّد.

