ليديا أبودرغم – خاصّ الأفضل نيوز
يكاد يجمع الخبراء على اعتبار النموذج الاقتصادي الذي كان سائداً في لبنان من الاستقلال وحتى أواخر العام 2019 قد تهاوى موضوعياً ولم يعد في الإمكان إعادة استنساخه في ظلّ الضغط الدولي عبر الأوضاع الاقتصادية والسياسية المفتعلة والتي تحرم اللبنانيين من الاتفاق على رئيس جمهورية وحكومة فاعلة، تعمل بكامل طاقتها لتُخرج اللبنانيين من دوامة فساد السياسيين وتطلق عمليّة التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتحمي ثروات النفط والغاز المستقبلية.
وأمام استمرارِ الأزمة الاقتصادية، بسبب ارتفاع التّضخم الذي ارتفع بنسبة 91%، تستمرّ القوة الشرائية للفئات الضعيفة في الانخفاض مع تآكل الرواتب وارتفاع كلفة المعيشة مع ارتفاع سعر صرف الدولار دون معرفة السبب السياسي أو الاقتصادي وراء ذلك، والذي قد يكون قراراً دولياً وتحديداً أميركياً إذ وضعت إدارة الرئيس الأميركي جون بايدن، عبر وكالة استخباراتها مطلع عام 2021، استراتيجيتها تجاه لبنان، والتي تقوم على السير في الحصار السياسي والاقتصادي والمالي، والتحكم بمفاصل السياسات الاقتصادية والمالية، والمتمثلة في حماية أمن "إسرائيل" ومصالحها في سواحل شرقي المتوسط، والتي تشكّل المقاومة تهديداً حقيقيّاً لها، وتعزيز النفوذ الأميركي، نظراً إلى أهميّة موقع لبنان الاستراتيجي، ومن ثم إلزام لبنان بالدخول في مفاوضات مع صندوق النّقد الدولي، التي تهيمن عليه في الحصة الأكبر (16,74%).
ولطالما ارتبطت بهذا الصندوق عناوين عريضة ورنانة، من توفير المال الإنقاذي وتعزيز الاستقرار المالي، باعتباره منظومة ماليّة ضخمة تهرع إليها الدول عندما تتعثّر اقتصاديّاً، كسبيلٍ للنهوض، دون الأخذ بعين الاعتبار شروط الصندوق القاسية التي تهدُر طاقات الدولة وإمكانياتها، وتؤدّي بها إلى المزيد من الأزمات الاجتماعية والمعيشية المتلاحقة، كما أنّ الشّروط التي تفرضها الجهات الدائنة تُجبر تلك الدول على التعثّر بعد بضع سنوات، بهدف تحقيق أبعاد استراتيجية خطيرة، تتلخّص بالسيطرة على مواردها والقبول بالتواجد العسكري فيها.
ومن هذه الشروط التي عرفها لبنان تحرير سعر الصرف ورفع كلّ أشكال الدّعم، من دون الأخذ بتداعيات الأمر وانعكاساته على القطاعات الاقتصادية والإنتاجية والاستهلاكية، وتقليص برامج التقديمات الاجتماعية، وتقليص حجم القطاع العام، والعمل على إعادة هيكلة الرواتب، وبالتالي منع أي زيادة عليها، مهما أصبحت نسبة التّضخم، إضافةً إلى إعادة النظر في المعاشات التقاعديّة تمهيداً لإلغائها، ورفع مستوى الضّرائب ليصل إلى 20% من الناتج المحلي، وفرض زيادة على جميع أنواع الضرائب، وتصفية المؤسَّسات المتعثرة حتى ضمن القطاع الخاص.
وتكمن خطورة الموضوع بأن يصبح الاقتراض هو الوسيلة المطلوبة للعيش واستمراريّة الماليّة العامّة للدولة، مع بدء المديرين التنفيذيين الذين يعيّنهم الصندوق بالتحكّم بالقرارات النقديّة والماليّة والاقتصاديّة، لرهن البلاد بشكل كامل والسيطرة على القرار السياسيّ مقابل القروض الماليّة.
نماذجُ الدّول الخاضعة للصندوق وتعثرها بسببه كثيرة ومنها الإكوادور والأرجنتين واليونان وتونس والأردن ومصر.
هذه النماذج موضوعة اليوم أمام لبنان، فإمّا تُثبّت السلطة السياسيّة خيارات الدولة العميقة، وترهن البلد، وتتخلى عن مصادر الغاز والطاقة الكبيرة التي تمتلكها لصالح الغرب وشركاته، وتتعمّق الأزمة في البلاد، وإما تأخذ قراراً بالنهوض الاقتصادي، انطلاقاً من حدود لبنان الشرقية، وصولاً إلى عمق آسيا والصين وروسيا.
فما الذي يخبئه الحصار الأميركي للبنان وماذا تريد واشنطن من هكذا إجراءات وما الذي ستثمره زيادة الضغط؟ وهل يدخل لبنان نفق وصفات الصندوق الدولي ويصبح اللبنانيون تحت رحمة قراراته أم أن حلاً وطنياً جامعاً سيطفو على السطح في اللحظات الأخيرة بانتخاب رئيس للجمهورية ينعش البلاد ويخرجها من نفق الصندوق المظلم؟.

