كمال ذبيان - خاص الأفضل نيوز
التّوريثُ السّياسيُّ في لبنان، هو من التّقاليد اللّبنانية، ولا يقتصر على العملِ السّياسيّ، بل يذهب إلى المهنيّ أيضًا، وهو من الأعراف التي تعودُ إلى قرون، لوجود إقطاع سياسيّ وزراعيّ، وما عُرف ب "العائلات أو البيوتات السّياسيّة"، والّتي نشأت في زمن السّلطنة العثمانيّة، التي كانت توزّعُ الأراضي والألقاب والرّتب، لمن يُواليها، ويسيرُ مع حكمها، فيؤمّنُ نفوذَها، فظهرت الإمارات، وأبرزها المعنيّة والشّهابيّة، وتفرّعت منها أُسرٌ انتمت إلى هذه الإمارة أو تلك، أو ناصبَت العداء.
هذا العرضُ التّاريخيّ لواقع العائلات السّياسيّة، التي اندثرَ بعضها، وفي مناطق رحلَ الإقطاع السّياسيّ، إلّا أنّ الطّائفة الدّرزيّة، ما زالت محافظة على الإرثِ السّياسيّ لزعامتين الجنبلاطيّة والأرسلانيّة، بعد أن اختفَت عن ساحة العمل السّياسي أو الوطني عائلات درزيّة كآل عبد الملك وتلحوق ونكد وعلم الدين.
لذلك يستمرُّ التّوريث السّياسي، لدى آل أرسلان وآل جنبلاط، فالعائلة الأرسلانيّة التي حكمت منطقة الغرب (عاليه والجرد)، وكانت عاصمتها الشويفات، تُورث الزّعامة من الأجداد وصولًا إلى الأمير توفيق أرسلان الذي ورثَه مجيد ثمّ نجله طلال الذي نافسَهُ شقيقُه من أبيه فيصل، لكن الزّعامة الأرسلانيّة بقيت في خلدة، وقد برز من الأرسلانيين الأمراء شكيب وعادل وأمين.
وآل جنبلاط يتوارثون الزّعامة، منذ أيّام بشير، وهم قدّموا في القرن السّابع عشر ميلادي من شمال حلب، واستقرّوا في الشوف، كما أتى آل أرسلان من معرّة النعمان، للدّفاع عن الثّغور اللّبنانية، بوجه حملة الإفرنج (الصّليبيّون).
وليس غريبًا، أن يلبسَ كمال جنبلاط العباءة، بعد مقتل والده فؤاد، بعد أن قادت الزّعامة زوجته نظيرة لتسلّمها إلى ابنه كمال، كي لا تستقرّ عند آل جنبلاط في البرامية شرق صيدا، بعد انتخاب حكمت جنبلاط نائبًا، حيث تمكّنت السّت نظيرة، من أن تُعيدَ الزّعامة الجنبلاطية إلى المختارة، التي لبس عباءتها وليد بعد مقتل والده كمال في ١٦ آذار ١٩٧٧.
ولأنّ هاجسَ القتل يُرافق آل جنبلاط، فإنّ وليد أورث نجله تيمور الزّعامة في العام ٢٠١٧، وفي ذكرى اغتيال والده في ١٦ آذار، حيث حضرَ حفلَ التّوريث ممثّلون لأحزاب وقوى سياسيّة ومراجع دينيّة، وتنحى جنبلاط عن النيابة لصالح نجله البكر الذي حلّ نائبًا في العام ٢٠١٨ وفي العام ٢٠٢٢ مكان والده، وترأّس كتلة "اللّقاء الديمقراطي"، وبقي وليد رئيسًا للحزب التّقدمي الاشتراكي، وعلى تماس مع العمل السّياسيّ، الذي لم يتحمّس له تيمور كثيرًا، وتقدّم إليه بخجل، بل كان يقوم بما فُرض عليه وراثيًّا، فقد كان جدّه كمال لا يرغب في السّياسة، بل اتّجه نحو الفكر والفلسفة والماورائيات، إلى أن أجبرته والدته السّت نظيرة أن يحملَ علم الزّعامة الجنبلاطيّة.
فبعد ستّ سنوات من العمل السّياسيّ والنّيابيّ، كان تيمور في الظّلّ، ووالده خاطف الأضواء، حيث تسرّبت معلومات عن خلاف بين الوالد وابنه، حول السّياسة، لجهة توجّه تيمور نحو الشّباب وتغيير أسلوب العمل التّقليدي المُرتبط ب "البيت السّياسي"، الذي يراه وليد الأساس، ودعوته الدّائمة للحفاظ على "قصر المختارة".
فمن التّوريث السّياسي، وصلَ وليد إلى التّوريث الحزبي، فاستقالَ من رئاسة الحزب التّقدمي الاشتراكي، ودعا إلى مُؤتمر عامّ للحزب في ٢٥ حزيران المُقبل، لانتخاب خلفٍ له، حيث يتقدّم اسمُ تيمور الّذي أحال والده نفسه إلى التّقاعد مع بلوغه ال ٧٥ عامًا.
ورأى بعض المحلّلين، بأنّ استقالة وليد من رئاسة الحزب، مُرتبطة بالتّطوّرات الإقليميّة الأخيرة، ومنها الاتفاق السّعودي - الإيراني، والتّقارب السّوري - السّعودي، وأنّ جنبلاط الأب كان مُستاءًا من هذه العلاقات التي تمّت بسرعة، رأى أنّ رهاناته سقطت، فبقيَ الرّئيس السّوري بشار الأسد في الحكم، بعد ١٢ سنة من الحرب على سوريا، حيث لم ير جثّة عدوّه الأسد تمرُّ في النّهر وعلى ضفّته.
فهل عُزوفه عن العملِ السّياسيّ ثمّ الحزبيّ، هو لفتحِ الطّريق أمام تيمور لإعادة تَموضعِ الحزب الاشتراكي، مع التّطوّرات الحاصلة، ووصلِ ما انقطعَ من علاقات مع سوريا الّتي من المُبكر فتح الطّريق أمام خُصومها، سواء الدّوليّين أو الإقليميّين أو بعض الحكّام العرب، وكذلك سياسيّين لبنانيّين، خصوصًا من غاصَ في دمِ الشّعب السّوريّ.
وبانتظارِ مؤتمر الاشتراكي وانتخاباته، فإنّ من المُبكر الحديث، بأنّ تَخلّي وليد جنبلاط عن رئاسة الحزب، لصالحِ نَجله، هدفه قيام تيمور، باستعادة العلاقة مع سوريا، على خُطى ما فعلته السّعودية.
ليس في السّياسةِ خصومةٌ دائمةٌ أو تحالفٌ دائمٌ، فبعد السّين - السّين ذهبَ وليد إلى دمشق عام ٢٠٠٩.

