كريستال النوّار - خاصّ الأفضل نيوز
"استقرار دولار السوق السوداء" هو الحديث الأبرز اليوم مع سيناريوهات متداولة عن قفزة مفاجئة أو مستقبل غامض يلفّ سعر الصّرف. هذا الغموض تُغذّيه أخبارٌ متعارضة ومتنوّعة تنتشر مع اقتراب انتهاء ولاية حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، والذي يواجه القضاء المحلي والقضاء الدولي أيضاً.
سلامة يتمرّد، وقد رفع الصّوت أخيراً قائلاً "ضميري مرتاح والتّهم الموجّهة إليّ غير صحيحة، وإذا صدر حكمٌ ضدّي يُثبت أنّني مرتكب أخطاء سأتنحى عن حاكمية المصرف"، وطالب بمُحاكمة السياسيّين: "هل بدؤوا بالتحقيق معي فقط لأنّه ليس لديّ زعران في الشّارع".
بالرّغم من هذه التصريحات، لماذا لا يفضح سلامة السياسيين الذين يدعو لمُحاكمتهم، ويُخرج الحقيقة إلى العلن؟ يُجيب الخبير الاقتصادي منير يونس: "سلامة لا يفضح السياسيين لأنّه اختار القضاء المحلي واختار أن يبقى في لبنان، وهو موعود بشكلٍ ما أن يُرتّب القضاء المحلي الوضع بانتظار أن يُبرّأ، وهكذا يكون غير مضطرّ للدّخول في نزاع مع السياسيين".
ويُضيف يونس، في حديثٍ لـ"الأفضل نيوز": "بعد خروج سلامة من الحاكميّة، من غير المعروف ما سيحصل بمنصة صيرفة. هناك رأيان، أحدهما يقول إنّ كلّ شيء سيستمرّ بالطريقة نفسها، والرأي الآخر يُرجّح الضّغط من صندوق النقد الدولي لتتغيّر صيرفة وتُصبح أكثر شفافية ويخفّ التدخّل من مصرف لبنان بحيث لا يُراكم خسائر إضافيّة. إضافة إلى الهدف المطلوب من صندوق النقد وهو توحيد أسعار الصرف عموماً. وبالتالي نحن أمام خيارين ولا يُعرف حتى اللحظة أيّ منهما سيكون ساري المفعول بعد خروج رياض سلامة من الحاكميّة".
لماذا لم يرتفع سعر الصرف بفعل الأخبار المُتداولة بشأن ملفّ حاكم مصرف لبنان؟ يُشير يونس إلى أنّ "الحاكم نفسه سيّد اللعبة وهو يتحكّم فيها، والأدوات لديه في المصرف المركزي، سواء كمية الدولارات الكبيرة أو قرار امتصاص السيولة بالليرة لتوازن السوق، وبالتالي المسألة مُتعلّقة بسلامة نفسه وبالآليات التي يعتمدها. إضافة إلى أنّ لديه ضوءًا أخضر سياسيًّا من رئيس مجلس الوزراء ووزير المالية ليتدخّل بسوق القطع عبر منصة صيرفة حتى لو تكبّد بعض الخسائر".
وبالنّسبة للاستقرار النّسبي الذي نشهده في الفترة الأخيرة لسعر الصّرف، يلفت يونس إلى أنّ له عدّة أسباب منها "ارتفاع نسبة الدولرة بين الناس، حيث أنّ جزءًا من الرواتب أصبح بالدولار بالإضافة إلى زيادة التحويلات من المغتربين. فتوافر الدولار بين أيدي الناس ساهم باستقرارٍ نسبي بسعر الصرف، إضافة إلى أنّ كلّ الكتلة النقديّة بالليرة المُتداولة لم تعد قيمتها بالدولار تُساوي أكثر من 700 إلى 800 مليون دولار، وبالتالي يُسهّل هذا الأمر على مصرف لبنان ضبط السيولة وامتصاصها عند الضرورة إذا حصلت مُضاربة، وأصبح بالتالي قادراً بشكلٍ أكبر على ضبط سعر الصرف".
وكان نائب رئيس حكومة تصريف الأعمال سعادة الشامي قد قال في تصريحات إنّ "توحيد سعر الصرف من صلاحيات المصرف المركزي بالتشاور مع وزارة المالية وهو مطلب من صندوق النقد وعلى نائب حاكم المركزي الذي سيتسلم الدفة أن يغيّر في سياسات مصرف لبنان".
هنا يُشدّد يونس على أنّ "توحيد سعر الصرف ضرورة ومطلب من مطالب صندوق النقد الدولي يجب أن نصل إليه عاجلاً أم آجلاً". ويُتابع أنّ هذا الأمر ستترتّب عليه تداعيات على عدّة مستويات أبرزها "كيف يُمكن أن نُعطي أصحاب الودائع بالدولار، أموالهم بالليرة وعلى أيّ سعر، لأنّ السعر حاليًّا هو 15 ألفاً. مع توحيد أسعار الصرف على 80 أو 90 ألفاً هل المودع سيحصل على وديعته بالدولار على هذا السّعر؟ هذا تحدٍّ مهمّ لأنّ الكتلة النقديّة ستزيد بشكلٍ كبير ممّا يُمكن أن يؤدّي إلى التضخّم وإلى انهيارٍ إضافي بسعر صرف الليرة".
ويؤكّد أنّ توحيد أسعار الصرف ضرورة ولكن له انعكاسات جانبيّة حتّى الآن غير مدروسة وغير معروف نطاقها.
من جهة أخرى، الصيف على الأبواب والأخبار تُشير إلى موسمٍ واعدٍ سياحيًّا واقتصاديًّا، ولهذا الوضع تأثيراته طبعاً على سعر الصرف. ويقول يونس: "يترقّب لبنان في موسم الصيف أن يزوره ما بين المليون والمليون و500 ألف زائر، ممّا سيزيد معروض الدولار وبالتالي يؤدّي هذا الأمر إلى استقرارٍ إضافيّ بسعر الصرف".
ويُتابع: "يقول البعض إنّ سعر الصرف يُمكن أن ينخفض في هذا الموسم، ولكن هذا لا يعدو كونه تهويلات موسميّة لا تحلّ المشكلة الأساسيّة وهي تعدّد أسعار الصرف، مع الإشارة إلى أهمية إصلاحات صندوق النقد الدولي التي لا بديل عنها مهما راهنوا على عوامل موسميّة وتقطيع الوقت، فأخيراً هناك إصلاحات مؤلمة مطلوبة سواء كان الصّيف مزدهراً أم لا".
إذاً، الإصلاحات البنيويّة أساسيّة ولا استقرار فعليًّا من دونها. وإلا يبقى لبنان يعيش حالةً من الترقّب والانتظار باتّجاه مُستقبلٍ غامض غير مضمون، ينعكس سلباً على المواطنين من كلّ النواحي، فأيّ استقرارٍ يكون ظرفيًّا وموقّتاً في غياب الإجراءات المطلوبة وخطّة إصلاحيّة "مبكّلة" للنّهوض بالوطن إلى حيث يستحقّ. ولا ننسى طبعاً أهمية السّعي لتحقيق الاستقرار السياسي الذي يؤدّي دوراً مهمًّا ورئيسيًّا في النّهوض الاقتصادي.

