يحيى الإمام - خاص الأفضل نيوز
يبدو أنّ الذين يتحدّثون اليومَ عن عروبة لبنان، في مواجهة المرشّح الطبيعي سليمان فرنجية، ولا يريدون إقامةَ علاقاتٍ طبيعيةٍ مع الجمهوريةِ العربيةِ السُّورية، إنما يتحدَّثونَ عن عُروبةٍ غيرِ متوازنةٍ ولا منطقية، عروبةٍ تكشف الحجابَ عن ذراعيها وصدرِها و ساقَيْها ولا تسترُ إلّا عورات المُدّعينَ بها زوراً والمودعين فيها ظلماً وجوراً ، لا بل إنهم يتحدّثون عن عروبةٍ تدرُّ الأموالَ ولا تغيرُ الأحوال أو تحقّقُ الآمال.
وإذا كانت الجمهوريةُ العربيةُ السّوريةُ تحدُّ لبنانَ من الشرقِ والشمال، ويحدُّه من الغرب البحرُ الأبيض المتوسط، فيبدو أن العروبيين الجُدد، أو بالأحرى إنّ فريقاً كبيراً منهم، لا يجد حرَجاً في أن تكونَ فلسطين المحتلّة بوّابته أو معبرَه الأقرب إلى العالم العربي بدلاً من سورية، لأنه إذا أداروا ظهرَهم لسورية، ستغدو كلفة التجارة الخارجية بحراً أو جواً إلى العالم العربي تعادل ثلاثةَ أضعاف كلفة العبور في سورية، ولأنه لا زال يصغي لإملاءات السفارة الأمريكية في بيروت ويأتمر بأمرها، ويزيدُ نشوَته أن بعضَ التَّغييريّين القادمين من كنف الجماعات التي ترعاها السفارة المذكورة ( جماعات NGO ) قد انضموا إليه، ولعل الدليلَ الأبرزَ على هذا الارتباط الوثيق هو تقاطعهم على ترشيح شخصيةٍ يعتبرونها من المنظومة التي كانوا يعارضونها كالوزير جهاد أزعور، ورغم كل التناقضات والخلافات بينهم، علماً بأنهم لم يباركوا مرّةً ترشيحَ خاله الوطني المحبوب المرحوم جان عبيد لأنه كان عروبياً معتدلاً ومنفتحاً على كل مكونات وطنه، وعلماً بأنهم يدركون تماماً بأن المرحلةَ تحتاج إلى أبي طوني القريب من دمشق من أجل معالجة تداعيات النزوح السوري إلى لبنان، والقريب من المقاومة من أجل الاستراتيجية الدفاعية، والقريب من الفرنسيين والقطريين والسعوديين من أجل استخراج الغاز من بحر لبنان، والقريب من الرئيس بري والقوى الوطنية من أجل تحقيق الوحدة الوطنية وتطبيق اتفاق الطائف وما فيه من لامركزية إدارية وإنماء متوازن، ورفض مشاريع الفدرالية والتقسيم الطائفي الذي يطمحون إليه.
أما المرشح سليمان طوني فرنجية، وهو المسيحيُّ العربيُّ، الذي يُكبرُ المسيحيون فيه تسامحَه وصفحَه عن قتَلةِ أبيه طوني فرنجية وأمّه فيرا قرداحي وأخته جيهان من أجل السلم الأهلي ومن أجل بقاء الوطن، والذي استُبعِدَ عن رئاسةِ الجمهورية في ظروفٍ مؤاتيةٍ له عام 2016، وحُوصرَ في الانتخابات النيابية من الحلفاء قبل الخصوم لتكبرَ أحجامُ كتل نيابية على حساب أخرى، هو ليسَ شافعياً ولا جعفرياً ولا متهماً ولا مشكوكاً بولائه وانتمائه الوطني والعربي، ولكن رئاسة الجمهورية هي موقع وطني لكل اللبنانيين على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم الدينية والسياسية والعقائدية والمناطقية وليست للمسيحيين فقط، فمن غير المقبول أن يُصوَّرَ الرجلُ بأنه لا يحظى بغطاء مسيحي، أو تصوّر علاقته بالمملكة العربية السعودية بأنها ليست على ما يُرام، وهو الذي كان قد تخلى عن قريبه الوزير جورج قرداحي في وزارة الإعلام واستبدله بالوزير مكاري حرصاً منه على استمرار العلاقات المميزة مع المملكة الشقيقة، وهو الذي لبَّى دعوةَ السفير السعودي وليد البخاري ليُظهرَ الرجلان معاً كلَّ محبةٍ وتقدير واحترام لبَعضيهما وللعروبة الجامعة، وليَتبيَّنَ للآخرين عدم وجود الفيتو السعودي على ترشيحه للرئاسة الأولى، لا بل إن الفرنسيين قد تلاقوا مع السعوديين على مباركة ترشيحه من أجل تخليص لبنان وبهدف مجاراة التسويات التي ينتهجها الأمير محمد بن سلمان في المنطقة كلها ولكي لا يكون لبنان بعيداً عنها خلافاً للإرادة الأمريكية.
وفي الختام فإن الأمير الملهم الشاب محمد بن سلمان الذي يُعاند سياسات الإدارة الأمريكية، ويتوجّه إلى تعزيز العلاقات العربية العربية، وتوظيف الطاقات واستثمار الإمكانات والقدرات العربية في بلاد العرب لجعلها،حسبَ قوله، (أوروبا الشرق)، والارتباط بالشرق من خلال تمتين العلاقات مع روسيا والصين، وحلّ النزاعات وتصفير المشاكل في المنطقة مع إيران وتركيا، والذي يرفض التّطبيعَ مع العدو الصهيوني ويحبط مخططاته، ويقول في ذلك: ( فلينفّذوا مقرّرات قمّة بيروت العربية عام ٢٠٠٢، وما ورد فيها من مبادرة سلام عربية تقوم على انسحاب العدو من الأراضي المحتلة في الخامس من حزيران عام ١٩٦٧، وبعدها لكلّ حادث حديث ".
نعم، هذا الأمير العربي يحتاج إلى أن يلاقيه قادةٌ رجال إلى منتصف الطريق، لا يطعنون ظهرَ المقاومة ولا يغدرون، ولا يديرون آذانهم لإملاءات السفارة خدمةً للمصالح الأجنبية، كأمثال الصادق الصريح القوي سليمان طوني فرنجية.

