هادي بو شعيا - خاصّ الأفضل نيوز
تتجه أنظار العالم قاطبةً إلى قمة حاسمة على الصعد كافة تُعقد في العاصمة الليتوانية فيلنيوس لقادة حلف شمال الأطلسي "الناتو"، ويدور النقاش الأبرز فيها حول دعم أوكرانيا، ووضع آليات دفاع جديدة ضد روسيا، فضلاً عن انضمام السويد لهذا الحلف،إذ حسمت القمة في أولى جولاتها أمر انضمام السويد، لكنها دخلت في خلافات عميقة بشأن انضمام أوكرانيا، ما أثار استياء الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي من عدم تحديد سقف زمني لقبول عضوية بلاده في الحلف.
ولعل هذا ما يطرح السؤال التالي: ما هي استراتيجية الحلف للدفاع عن أعضائه في مواجهة روسيا في الخطة التي اعتُبرت الأكثر شمولاً منذ نهاية الحرب الباردة ؟
شكّل الغزو الروسي لأوكرانيا دافعًا رئيسيًّا لحلف شمال الأطلسي "الناتو" لإجراء مراجعة شاملة لأنظمته الدفاعية مع تعزيز للجناح الشرقي لهذا الحلف الذي أطلق خطّةً تضم في الإجمال أكثر من أربعة آلاف صفحة، تصف بالتفصيل كيفية حماية المناطق الحساسة في منطقة التحالف وكيفية تحديد القدرات العسكرية الضرورية، بالإضافة إلى القوات البرية والبحرية والجوية وتضمين القدرات السيبرانية والفضائية.
وإذا ما هاجمت روسيا أي دولة عضو في الحلف فهناك أوامر محددة حول المكان الذي يجب أن تذهب إليه القوات وما يجب أن تفعله في حال قيام روسيا بالهجوم في أي من المناطق الثلاث: القطب الشمالي، وشمال المحيط الأطلسي، ووسط أوروبا، ومنطقة البحر الأبيض المتوسط.
تجدر الإشارة هنا إلى أن لدى "الناتو" أربعون ألف جندي يمكن حشدهم في وقت قصير، وسيتم مناقشة خطط إرسال ثلاثة آلاف جندي للعمل في أي مكان في العالم وفي غضون ثلاثين يومًا ، ويريد قادة "الناتو" من الدول الأعضاء تحديث معداتها العسكرية، وتخزين المزيد من الذخيرة، وتخصيص ما لا يقل عن 2% من ناتجها المحلي الإجمالي لأجل الإنفاق الدفاعي.
ومن يطلع على الخطة يعي جيّدًا أن هناك حضورًا بارزًا لاستعادة أحد فصول التاريخ في الخطة، إذ ستلعب ألمانيا دوراً مزدوجًا، كما كانت الحال عليه إبّان الحرب الباردة، ونظرًا لموقع برلين الجغرافي فإن العاصمة الألمانية ستكون المركز اللوجستي لنقل القوات والمواد، كما ستتحمل المسؤولية عن الحدود الشرقية لمنطقة التحالف وتوفر المزيد من القدرة على الردع والدفاع هناك(...).
أمام ذلك كلّه، قد يتبادر سؤال إلى الأذهان: ألم يكن انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي "الناتو" والتحالف مع الغرب أحد أبرز مبررات موسكو لغزو كييف؟!
والآن، وبعد مضي أكثر من عام على هذه الحرب، لم تحصل كييف على عضوية الحلف. لماذا ما زال "الناتو" يُقيم وزنًا لمخاوف روسيا ورغباتها؟!
مما لا شك فيه، أن الخوف الأساسي، في حال مناقشة عضوية أوكرانيا، سينقل الحرب بين الغرب وروسيا إلى مستوى آخر لا يمكن أن يتوقعه لا الشرق ولا حتى الغرب.
ومن الملاحظ أن لهذه القمة ملفات عدة، رغم الخلاف على عضوية السويد، لكن تبقى عضوية أوكرانيا بمثابة العقدة المستعصية والمصحوبة بخيبة أمل زيلينسكي، فضلاً عن الملفات الجانبية الأخرى، وما هو أهم من كل ذلك، فيما يبدو، أن الحلف يعقد قمة في عاصمة لا تبتعد كثيراً عن بيلاروسيا، الحليف الرئيسي لروسيا، والذي يبعد 30 كيلومترًا فحسب.
ومن هنا تأتي رمزية هذه القمة في هذه العاصمة لتأكيد مواصلة زحف الحلف باتجاه الشرق من دون الوصول إلى حدود الضمّ المعلن لأوكرانيا، حيث سيتم تأجيل هذا الملف إلى مرحلة أخرى. ولا يبدو أن هذه القمة ستحسمه كما أنها لا تضع له سقفًا زمنيًا.
في المحصلة، تعتبر هذه القمة بمثابة "قمة القِمَمْ"، وتفوق أهميتها الاستراتيجية قِمَمَ الحلف أعوام 1992، 1993 و1994 عقب تفكّك جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، بحيث بات جليًّا أن الخارطة الغربية وكذلك خارطة الحلف تتمحوران حول جبهة جديدة لكن وفق قياسات معيّنة لا تصل إلى حدود الاعتراف بعضوية أوكرانيا، رغم اللعب على تناقضات استخدامها على طاولة الشطرنج من باب المفاوضات في المستقبل.

