هادي بو شعيا - خاص الأفضل نيوز
يُجري الرئيس التركي رجب طيب إردوغان جولة خليجية بدأها من السعودية وتشمل أيضًا قطر والإمارات العربية المتحدة ، ويهيمن على جولة الرئيس التركي الطابع الاقتصادي إذ يسعى إردوغان إلى إبرام صفقات استثمارية لمساعدة الاقتصاد التركي المتعثّر.
تأتي زيارة الرئيس التركي الخارجية في ظل متغيرات إقليمية كبرى أبرزها المصالحة بين السعودية وإيران برعاية صينية وعودة سوريا إلى جامعة الدول العربية وتنامي النفوذ السياسي والاقتصادي لدول الخليج مع استمرار الحرب في أوكرانيا.
في وقت أدركت فيه أنقرة أنه لا بد من إقامة علاقات جيدة مع دول المنطقة، لا سيما الدول الخليجية على أساس نهج يحقق الفائدة للجميع وتطبيق فعلي للشعار الذي ترفعه تركيا زيادة عدد الأصدقاء وتقليل عدد الخصوم، خصوصًا بعدما سعت لتعزيز حضورها الإقليمي في المنطقة في خلال السنوات العشر الأخيرة، معتمدةً على العامل العسكري في كلّ من سوريا وليبيا والعراق، الأمر الذي تسبب في توتر علاقاتها مع دول رئيسية بالمنطقة وخصوصًا السعودية والإمارات ومصر.
بيد أنه، في ظل وضعية الانسداد في التعامل مع هذه الملفات الإقليمية، أدركت أنقرة أنه لا بد من إعادة مراجعة لعلاقاتها مع العديد من العواصم الإقليمية.
في حين كانت قد انخرطت كل من تركيا والسعودية في تنافس إقليمي شرس على مرّ التاريخ حيث كانتا تتنافسان على النفوذ والقيادة، الأمر الذي أثار ريبة دول الخليج الأخرى التي كانت قلقة من أن تركيا التي تتبنى نوايا عدوانية تسعى للتدخل في الشؤون الداخلية لدول أخرى وتوسيع نفوذها في العالم العربي على إثر دعمها للمتظاهرين المناهضين للحكومات في دول عربية لا سيما سوريا إبان اندلاع ما سمّي بالربيع العربي في عام 2011، ما دفع قادةالخليج آنذاك، ولوقت ليس ببعيد، بوصف تركيا بالعنصر المزعزع لاستقرارها.
ورغم التنافس طويل الأمد، إلا أن أسوأ مراحل العداء بين البلدين قد تبدّدت إلى حدّ ما العام الماضي، حيث حظيت الرياض بعلاقة اقتصادية مع تركيا وباتت التجارة السعودية
معها الأسرع نموًا مقارنة بباقي دول الخليج.
ولعلّ سعي تركيا إلى تعزيز علاقاتها مع دول الخليج إلى جانب مصر هو مؤشر واضح على أن إردوغان يدرك أن الأولوية أضحت للمصالح الاقتصادية وليس للأيدولوجيا، إذ يولي أكثر من مراقب الزيارة إلى السعودية أهمية تاريخية من حيث مسار الاستثمارات والعلاقات التجارية.
ويعتقد مراقبون أن قطاع التسليح والدفاع التركي قد يجذب اهتمام السعودية إذ قد تشهد المرحلة المقبلة شراء الرياض طائرات مسيرة عسكرية تركية من طراز (بيرقدار بي بي 2)، وربما تسيير دوريات في طرق شحن النفط.
أما بالنسبة للعلاقات القطرية-التركية فقد اكتسبت زخمها على مدار عقدين من الزمن، ما يعكس إرادة سياسية توفرت على صعيد القيادة في كلا البلدين، وقد ظهر ذلك بشكل واضح من خلال دعم متبادل لجهود أنقرة والدوحة في قضايا ومسائل عديدة منها ما هو سياسي واقتصادي وأمني، ساهمت في الوصول إلى هذا المستوى من العلاقات المتميزة، بدءًا من الأزمة السورية، مرورًا بكيفية التعامل مع ملف النازحين السوريين، وليس أخرها الملف الأفغاني.
وقد ازدادت علاقات البلدين رسوخًا، إثر موقف قطر الداعم لتركيا ورئيسها إردوغان عبر شجب ورفض محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، وما قابله من موقف داعم لقطر في مواجهة أزمة الحصار الخليجي عام 2017 التي تم تجاوزها في ما بعد إثر المصالحة الخليجية-الخليجية التي تكلّلت بقمة العلا في السعودية.
وفيما يتعلق بالإمارات، فقد تبنت أبو ظبي نهجًا معتدلاً وغير مغالٍ مع أنقرة، فرغم توتر العلاقات خلال الأزمة الخليجية، إلا أن تركيا عمدت إلى تعزيز علاقة إيجابية بشكل متزايد مع خصومها السابقين في الخليج، خصوصًا السعودية والإمارات منذ عودة قطر إلى الحظيرة الدبلوماسية الخليجية أواخر عام 2021.
وبعد ثلاثة أيام من فوز أردوغان بالسباق الرئاسي، وقعت تركيا والإمارات اتفاقية تجارية بقيمة 40 مليار دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة وسط احتمالات بإبرام صفقات
دفاعية.
وتفيد المعلومات بأنَّ الإمارات تجري مفاوضات لعقد صفقة لشراء طائرات مسيّرة عسكرية من طراز "بيرقدار بي بي 2" تركية الصنع فيما جرى تسليم عشرين طائرة مسيّرة إلى الإمارات في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي.
في المحصلة، وانطلاقًا من زاوية قراءة العلاقات الاستراتيجية بين الدول، وعلى الرغم من التقارب الاقتصادي التركي-الخليجي الذي يخدم مصلحة الطرفين؛ إلا أنه من المنتظر، ووفق خبراء، أن يكون دافعًا لإيجاد مجال مشترك وطرح مبادرات لحلّ الصراعات في المنطقة بما يحفظ المصالح الاستراتيجية لكل من تركيا ودول الخليج مجتمعةً.

