خورشيد الحسين - خاصّ الأفضل نيوز
يقول القائد في (فلسفة الثورة): ” ولما انتهت المعارك (في فلسطين) وعدتُ إلى أرض الوطن, كانت المنطقة العربية في تصوّري قد أصبحت كلاً واحدًا ".. بهذه الكلمات لخّص وحسم القلق على الهوية التي كان يعصف بالأمة العربية منذ بداية الحكم العثماني وحتى معاهدة سايكس بيكو التي قسمت العالم العربي إلى دويلات, وحسم القضية لمصلحة الانتماء للوطن الكبير والعمل لمصلحة الأمة, كانت الهوية الإقليمية تتبلور وفق تقسيمات سايكس بيكو وتتقدم بالرغم من شعارات النخب الثورية حينذاك, إلا أن الواقع على الأرض بالنسبة للدول الناشئة كان يسير بطريق مختلف ويندفع باتجاه صياغة وتثبيت العلاقات الاجتماعية السياسية الاقتصادية بملامح تتمايز عن محيطها الإقليمي والقومي وفق تركيبته المجتمعية التي فرضتها ورسمتها مطامع المستعمر بتقسيماتها ووفق مصالحه بما يمنحه القدرة على التحكم والسيطرة.
لقد كان عدم الاستقرار في هذه الدول سيّدَ الموقف, فبعضها يعيش المخاضات الداخلية والانقلابات والصراعات وبعضها كان ما زال تحت الاستعمار المباشر,وكانت قضية فلسطين والمؤامرة الدولية الكبرى عليها وعلى الأمة العربية قد انتقلت من مرحلة التخطيط والوعد (بلفور) بإنشاء وطن قومي لليهود إلى مرحلة التنفيذ.
لم يكن العامل الفلسطيني هو العامل الأوحد، لكنه كان الأكثر حضورًا في تفتّح وعي القائد, فقد كان لخلفيته العسكرية والثقافية كضابط ومدرس لتاريخ الغزوات ضد مصر والمشرق العربي في الكلية العسكرية دورًا كبيرًا في تشكّل هذا الوعي, كما كان (طغيان القصر الملكي وصراعات الساسة والأحزاب التقليدية والدعوات الانعزالية التي كانت تحاول شد مصر إما إلى التقوقع حول ماضٍ سحيق (الدعوة الفرعونية) أو إلى الانتماء للخارج الأجنبي الغريب عنها لغةً وثقافةً ودينًا (حضارة البحر المتوسط) عاملًا إضافيًا في في تشكل وعيه. وكان أن تشابكت وتفاعلت تلك العوامل في مجموعها ليتشكل منها المنظور الذي أطلت منه القيادة التاريخية بعين التأمل الواعي والقدرة على الفعل المسؤول, على ما آلت إليه أحوال الأمة العربية صبيحة يوم الثورة في 23 يوليو 1952)).
في فلسطين التحم الوعي الوطني والقومي للقائد بتجربة النضال والقتال ضد المحتلّ الصهيوني ,مما عمّق رؤيته لضرورة الوحدة العربية في مواجهة الخطر الوجودي للمشروع الصهيوني التوسّعي كقاعدة استعمارية على بقعة مقدسة من الوطن العربي الكبير وكجزء من مشروع هيمنة طويل الأمد متعدّد الوجوه والأهداف والأطماع في بلادنا وثرواتنا.
وفي كلمة له أمام وفود فلسطين القادمة إلى دمشق ٣ /٣ / ١٩٦١ يقول: (حينما أتكلم إلى أبناء فلسطين فإني أتكلم عن القضية العربية التى مسّت قلبَ كل إنسان عربي، أتكلم عن قضيتنا جميعًا.. فقضية فلسطين لم تكن أبدًا قضية شعب فلسطين فقط؛ لأنها استهدفت العرب في وطنهم الكبير، في كل بلد من بلاد العرب. قضية فلسطين لا تعني جهود الصهيونية فقط وجهود اليهود، ولكن قضية فلسطين منذ بدأت كانت تمثل تحالف الاستعمار العالمي والصهيونية العالمية ضد الأمة العربية والقومية العربية).
بهذه الرؤية المترابطة لمشروع نهضة الأمة العربية, من بعدها الوطني وبعدها القومي, ومن فلسطين البندقية والصراع مع الكيان الصهيوني والمشروع الغربي المتكامل معه تبلورت أفكار وأهداف ثورة 23\يوليو\تموز … وما زالت مستمرة طالما أن أسبابها ما زالت حاضرة وبقسوة ومرارة أكبر, وأهدافها ما زالت حلم الجماهير العربية برغم الأزمات والنكسات والمؤامرات…
وناصر ما زال حيًا ينفخُ في جمر الثورة وسيعود هذا الجمر ليشتعل… يوم 23\يوليو لم ينته كما أراد له أعداء الأمة ولن ينتهيَ قبل أن تتحقق أهداف الثورة. فحضورها اليومي ما زال يشي بقدرتها على استعادة قوتها وحيوتها ويؤرق ليل الأعداء حتى الآن.

