أكرم حمدان - خاصّ الأفضل نيوز
إنَّ تاريخ ثورة 23 يوليو(تموز) في مصر عام 1952، ليس تاريخاً عادياً خصوصاً في الوطن العربي، وبشكل أكبر وأكثر فعالية، بعد وفاة ورحيل قائد هذه الثورة جمال عبد الناصر ،وما تركه ذلك من تأثير وتعديل سلبي على دور مصر وبالتالي على الأمة ، لا زلنا نُعاني منه حتى الآن.
وفي رحاب ثورة 23 يوليو لا بد من التذكير بأنها كانت نموذجاً رائداً لحركة تحرّر وطني عام، ولتغيير اجتماعي وسياسي شمل المنطقة العربية بكاملها ، وترك آثاراً مهمة على شعوب أفريقيا وأميركا اللاتينية وعلى معظم دول العالم الثالث التي كانت تعيش ظروفاً مشابهة لأوضاع البلاد العربية.
لقد بدأ الاهتمام العربي والدولي بثورة 23 يوليو بعد قرار عبد الناصر بتأميم قناة السويس ومواجهة العدوان الثلاثي:البريطاني- الفرنسي والإسرائيلي على مصر في العام 1956، وكانت تلك معركة الإرادة الوطنية ضدّ الهيمنة الأجنبية، ومعركة التحرّر من الاستعمار والاحتلال.
إنَّ الحديث عن ثورة 23 يوليو، يفترض التذكير بدور مصر الرائد والقائد الذي جمع الأمة العربية من المحيط إلى الخليج، عندما أطلق قائد الثورة جمال عبد الناصر الدعوات لتضامن الأمّة العربية ولوحدة شعوبها.
صحيح أنَّ ثورة 23 يوليو كانت مصرية المنطلق، لكنّها كانت عربية في قضاياها ومعاركها وآثارها السياسية والفكرية والاجتماعية، وهذا بحدّ ذاته كان كافياً للتآمر عليها وعلى قيادتها والعمل من أجل عزل مصر عن محيطها الجغرافي، وهو ما حصل فعلياً بعد وفاة عبد الناصر وبعد معاهدات كامب ديفيد.
فمصر عبد الناصر رفضت، رغم هزيمة العام 1967، استعادة سيناء مقابل تخلّي مصر عن دورها العربي في الصراع مع إسرائيل.
وخاضت مصر عبد الناصر "حرب الاستنزاف" على جبهة قناة السويس لمدّة عامين، وهيّأت الجيش المصري لمعركة العبور في العام 1973، وحقّقت تضامناً عربياً فاعلاً على قاعدة قرارات قمّة الخرطوم في العام 1967.
كان عبد الناصر يردّد "القدس قبل سيناء، والجولان قبل سيناء"، و"لا صلح ولا اعتراف بإسرائيل ما لم تتحرّر كلّ الأراضي العربية المحتلّة عام 1967، وما لم يحصل الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة".
لقد حرص جمال عبد الناصر، كردٍّ على هزيمة عام 1967، على أن يوقف أيّة صراعات عربية/عربية وعلى أن يبني تضامناً عربياً فعالاً، فسحب القوات المصرية من اليمن، وصالح كلَّ من عاداه من العرب، وأكّد على أهميّة إعطاء الأولويّة الكاملة للصراع مع إسرائيل.
إنّ العرب يفتقدون اليوم مصر 23 يوليو، مصر جمال عبد الناصر، مصر الرائدة والقائدة، مصر العروبة والتحرّر والكرامة الوطنية والقومية.
لقد تم الانقلاب على دور مصر التاريخي يوم تم توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل واتفاقيات كامب ديفيد، وبدأ حينها عصر الانحطاط العربي المعاصر، الذي شهد المزيد من الحروب الأهلية العربية والصراعات بين العرب، مع ما رافق ذلك من تسويات وتطبيع مع إسرائيل وتعزيز للتواجد العسكري الأجنبي في المنطقة.
مع قيادة مصر 23 يوليو، كانت المنطقة العربية تشهد تحرّراً من استعمار بريطاني وفرنسي امتدَّ من عدن إلى الجزائر، بينما مع "كامب ديفيد" وما بعدها عادت الهيمنة الأجنبية بمختلف أشكالها.
لقد كانت الانقسامات والصراعات في المنطقة العربية تدور حول الأفكار والسياسات، أمّا ما بعد "كامب دايفيد" ، فقد تحولت إلى صراعاتٍ وانقسامات على معايير طائفية ومذهبية وإثنية.
ربما لم تعد الأمّة العربية تتحدّث الآن عن حلم التوحّد والتكامل بين أقطارها، كما كان الأمر في فترة عبد الناصر، بل باتت تخشى على نفسها من نفسها بفعل الضعف والوهن الذي أصاب جسمها والناتج عن غياب وضعف قلبها في مصر.
في الذكرى 71 لثورة 23 يوليو، ورغم كلِّ المتغيّرات التي يشهدها العالم وعالمنا العربي،لا يزال الحنين العربي موجوداً إلى حقبة الكرامة والعزة والتوحّد، والأمل بعودة مصر إلى موقعها العربي الريادي الذي كرّسته "ثورة يوليو" ولم تتمّ بعدَ جمال عبد الناصر المحافظة عليه.
لقد بقِيت إنجازات ثورة ٢٣ يوليو، كالسَدّ العالي وقناة السويس وتم القضاء على حضور مصر العربيّ والاقليميّ والدوليّ وعلى المرجعيّة التي كانت تشكِّلُها ، أيام عبد الناصر ، للعرب والعالم الثالث والعالم الاسلاميّ ، أمّا عبد الناصر فسيبقى في ذاكرة الأجيال العربيّة التوّاقة إلى التحرُّر والنهوض والوحدة وتحرير فلسطين.

