مهدي عقيل - خاص الأفضل نيوز
لعلّ امتناع جنود الاحتياط عن الالتحاق بوحداتهم العسكرية يحتل الحيّز الأكبر والأخطر في موجة الاحتجاجات الثانية التي تشهدها إسرائيل اعتراضاً على تقليص صلاحيات المحكمة عن طريق إقرار إلغاء بند "ذريعة المعقولية" الذي يسمح للقضاء بإبطال قرارات الحكومة. كيف؟ ولماذا؟
التحاق جنود الاحتياط بركب المتظاهرين الإسرائيليين لم يساهم في زيادة الشرخ في المجتمع الإسرائيلي المنقسم إلى جماعتين أو "قبيلتين كبيرتين" وحسب، إنما الخطورة في الموضوع هو انخراط الجيش بشكل أو بآخر، في مستنقع السياسة الإسرائيلية، واستخدامه كأداة ضغط على الحكومة من قبل المعارضة، من شأن ذلك أن يجعل من الأزمة الإسرائيلية القائمة أزمة وجودية بكل ما تعني الكلمة.
من المعروف أن الجيش يتقدم على باقي مؤسسات الكيان، ويختلف دوره وتأثيره عن أي جيش في العالم، حتى قيل "إسرائيل جيش له دولة، وليست دولة لها جيش". وهو الذي ترتبط به مؤسسات داخل المجتمع الإسرائيلي، كوزارة الدفاع، وكل ما يتفرع عنها من أجهزة أمنية وحرس حدود، وأجهزة المخابرات العسكرية والسياسية، ومعاهد الدراسات الاستراتيجية، والصناعات العسكرية، والمفاعلات النووية. باختصار: الجيش هو الجهة المسؤولة عن بلورة النظرية الأمنية الإسرائيلية وترسيخ الاعتقاد بأهمية القوة العسكرية في تحقيق أهداف إسرائيل.
وما يجري اليوم، وما عبّر عنه ضباط الاحتياط في سلاح الجو من خلال رسالتهم الموقعة من 1142 ضابطاً يوم الجمعة الفائت، قد ينسحب حتماً إلى باقي القطع العسكرية، لا سيما البرية منها، وهي التي تشكل الجزء الأكبر من مجموع الجيش الإسرائيلي، إذا ما أقرت حكومة بنيامين نتنياهو وإيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش اليوم (الاثنين) القراءة الثانية ل "بند المعقولية" تمهيداً لإقرار القراءة الثالثة والنهائية في الأيام التالية.
حينها، لا يمكن لأحد أن يستقرئ كيف يكون حال الجيش، ولن يصلح بعده كلام نتنياهو بأنه "يمكن تدبر الأمر دون عدّة أسراب (من سلاح الجو)"، فثمّة صعوبة لإصلاح الأمور بأقل من تراجع نتنياهو عن إقرار القانون أو فكّ تحالف اليمين المتطرّف.
سوف يفقد الجيش الكثير من قدراته العمليّاتية والعناصر الكفوءة وقوة التماسك التي يتمتع بها منذ نشأته عام 1948. وذلك يشكل خطورةً غير مسبوقة، وهذا ما دفع بالكثير من المحلّلين الإسرئيليين إلى وضع ما يحدث في خانة التّهديد للأمن القومي الإسرائيلي، ويقول الكاتب في الموقع العبري "N12" ميخائيل ملشتاين في هذا الصَّدد : " يمثل احتجاج جنود الاحتياط تحدّياً سابقاً للإجماع الذي ساد لعقود في إسرائيل فيما يتعلق بإبقاء الجيش الإسرائيلي خارج الخلافات السياسية.. يجب على الحكومة أن تدرك مهما كانت على حق، أن التشريع المتعلق بالمسألة القضائية في المخطط الحالي يسبب ضرراً لا رجعة فيه للأمن القومي، سواء في سياق التماسك الداخلي، أو فيما يتعلق بالعلاقات الخارجية لـ "إسرائيل" (لا سيما العلاقة الاستراتيجية مع الإدارة الأمريكية)".
ويحذر الكاتب من إمعان المعارضة باستخدام قوات الاحتياط كورقة ضغط أو "سوط" رادع ضد التعديلات القضائية، وهذا ما قد يسبب بسرعة في ضرر استراتيجي جماعي.
ويرى زميله في "هآرتس" آلوف بن، في إلغاء "ذريعة المعقولية" تسريعاً في عملية التدمير الوطنية التي يقودها نتنياهو منذ نصف سنة. وإذا تم تمريره فإن شهيّة الائتلاف ستزداد للقيام بخطوات القمع والإسكات والفساد القادمة.
ألداخل الإسرائيلي في حالة هذيان، ومن الصعوبة بمكان تصور خروج الحكومة من النفق الذي وضعت نفسها فيه، فالخلاف بين المؤسسات على الصلاحيات في ظل عدم وجود دستور للكيان بخلاف كل دول العالم يستفحل ويزداد، إذ يرى البعض بأنه آن الآوان لوضع دستور ينظم العمل بين المؤسسات، وإلا فإن تعارض الصلاحيات سيبقى قائماً بين هذه المؤسسات.
ويرى زئيف جابوتنسكي، المحلّل السياسي في "إسرائيل اليوم"، أن "الطريق الوحيد للخروج المرتّب من الوضع الحالي هو انتخاب مجلس تأسيسي ثانٍ، (كان ثمة مجلس تأسيسي أول عام 1949 ولم يوفق بوضع دستور للدولة المُغتصِبة)، لا يكون خاضعاً للكنيست، أو للرئيس، أو للحكومة، أو للمحكمة العليا، أو لجهاز القضاء، ويعمل بالتوازي معهم". وتنحصر مهمّته فقط بوضع دستور ل"دولة" إسرائيل ( حسبَ تعبيره) .
خلاصة القول، إن مسار الأحداث في الكيان العبري تخطّى الخلاف بين الحكومة اليمينية المتطرفة ومعارضيها، وتحول إلى أزمة وطنية ودستورية وأمنية واستراتيجية بامتياز. فليس من المغالاة القول إن إسرائيل في طريقها إلى الزوال، ولو بعد حين، بنظر الإسرائيليين أنفسهم!

