كريستال النوّار - خاص الأفضل نيوز
تتفاقمُ أزمات اللبنانيّين لدرجةٍ يرى البعض أنّ هذا الشّعب يعيش يوميًّا حالة انفصام. فبين قلّةٍ قادرة على العيش وتوفير مستلزمات الحياة وبين كثرةٍ تزداد تباعًا في الفقر وصعوبة ظروف الحياة، مشاهد المطاعم وأماكن السّهر والمحال التّجاريّة تنقل صورةً مُغايرة تماماً.
ويتمّ رصد عددٍ من التّعليقات من روّاد مواقع التّواصل الاجتماعي في الخارج، ينتقدون فيها حالة "الانفصام" التي يعيشها اللّبنانيّون بين الانهيار والاندفاع نحو التّسلية والسّهر والفرح، رغم كلّ الأزمات. هل فعلاً يعيش اللبنانيّون حالة انفصام... حالة الشّعب المُنهك اقتصاديًّا والمحروم من الخدمات، وحالة الشّعب السّعيد والمُبتهج؟!
الاختصاصيّة في علم النّفس والمُعالجة النّفسيّة شارلوت الخليل تقول إنّ "ما من إحصاءاتٍ لدينا تدلّ على نسبة اللّبنانيين القادرين على عيش حياة الرّفاهيّة الّتي نراها على مواقع التّواصل الاجتماعي وفي أماكن السّهر"، لافتةً إلى أنّ "الأزمة الاقتصاديّة أثّرت سلباً على غالبية العائلات ودفعت بهم إلى تغيير أنماط حياتهم بكاملها، بغضّ النّظر عن مظاهر الاحتفالات وكلّ الصّورة التي نراها.. فهناك عائلات لا يتعدّى مدخولها المئة دولار في الشّهر!".
وتُضيف الخليل، في حديثٍ لموقع "الأفضل نيوز": "صحيح هناك قسم كبير من المغتربين في لبنان، ولكن لا أعتقد أنّ كلّ ما نراه يُعطي صورة واضحة عن غالبيّة اللّبنانيّين إنّما صورة عن قسمٍ منهم ما زال قادراً على تحمّل الوضع العام والعيش بشكلٍ طبيعيٍّ".
كما تُفسّر الخليل الأمر من النّاحية النّفسيّة، وتُشير إلى أنّ "إمضاء الوقت في الخارج والاحتفالات والسّهر، آليّة دفاعيّة نفسيّة يتمّ اللّجوء إليها عمومًا للتغلّب على التّحدّيات والخسائر التي عادةً ما يتعرّض لها الأشخاص في أيّامنا هذه، وأعتقد أنّ هذا ما نراه اليوم في لبنان وسط كلّ المصاعب"، وتُتابع: "هناك آليّات دفاعيّة ناضجة وأخرى غير ناضجة، ولكنّ الأمر يجب أن نُوازنه مع أمورٍ أخرى لكي نتمكّن من تقييمه كما يجب".
وتُضيف قائلةً: "هذا السّلوك يُعتبر غير سلبيّ إذا كان يُستكمل بتصرّفاتٍ إيجابيّة... هل هي حالة انفصاميّة؟ إذا كان الفرد قادراً على إيجاد التّوازن الصّحّي في حياته الخاصّة والاجتماعيّة والمهنيّة، هنا لا يُمكن القول إنّه انفصاميّ مُنفصل عن الواقع إذا كان يلجأ للسّهر والرّفاهيّة، كما يحبّ النّاس أن يصوّروها".
اللّافت أيضاً تعليقٌ على مواقع التّواصل الاجتماعي من قِبل أحد المُغتربين على صور الحفلات الّتي تضمُّ عددًا هائلًا من المُشاركين، جاء فيه: "لو اجتمع هذا العدد من الحضور على أبواب مجلس النواب، لأغلقوه واختاروا رئيس جمهوريّة ونوابًا يُمثّلونهم، وحكومة".
هنا تُشدّد الخليل على أنّ "أحداث البلد لها تأثيرها الكبير على الجميع وهي تضع اللّبنانيّين في ما يُسمّى بالـ survival mode، وهذا ما يجعل معظم الأشخاص يبحثون عن الأمور التي ما زال باستطاعتهم تحمّلها أو السّيطرة عليها. وإذا كان البعض ما زال قادراً على العيش ولو حتّى بجزء من مظاهر الحياة التي اعتاد عليها سابقًا، فهذا أمرٌ جيّد".
وتُتابع: "قسمٌ كبير من الشّعب اللّبناني، وبعد كلّ ما قام به من تحرّكات واحتجاجات وبعدما رفع الصّوت عاليًا بشتّى الطّرق، لاحظ أنّه لم يتمكّن من التّأثير في الوضع الحكومي أو النّيابي أو الوضع السّياسي عموماً، فبدأ يلجأ إلى ما يُمكن أن يكون له دور مؤثّر ومهمّ فيه، وهو كيفيّة عيش حياته. والّذي ما زال قادراً على الاستمتاع والسّهر والمُشاركة في الاحتفالات، يتمسّك بها قدر المُستطاع، لأنّ ذلك يُشعره بنوعٍ من الرّاحة والقدرة على العيش رغم التّحدّيات والصّعوبات التي نعيشها".
كذلك، تلفت الخليل إلى "فقدان إيمان قسمٍ كبيرٍ من اللّبنانيّين بادّخار المال بعد ما تعرّض له، وهذا يدفع بالنّاس أيضاً إلى نمط العيش الذي نراه أخيراً؛ فهم يعيشون كلّ يوم بيومه... ولنكن واقعيّين، لم يعد هناك أيّ خططٍ مُستقبليّة بعيدة المدى كالسّابق، فالمُستقبل مجهول لدى معظم اللّبنانيّين وكلّ ما بين أيديهم هو اللّحظة الحاليّة يُحاولون عيشها بكلّ الطّرق المُتاحة، كلٌّ حسب قدرته.
لذلك قلّة هم مَن يدّخرون المال اليوم، إذ في السّابق كان يُمكن شراء سيّارة أو منزل أمّا اليوم فالمُستقبل مجهول وغير آمن بالنّسبة إلى العديد من الأشخاص".
أمرٌ إيجابيّ يُمكن مُلاحظته أيضاً، تقول الخليل، وهو توفّر نوعٍ من التّضامن الاجتماعي في قدرة الأشخاص على دعم بعضهم البعض، خصوصًا ضمن فئة الشّباب، ليتمكّنوا من الاستمرار في حياتهم، "ونُلاحظ أنّهم يقومون بنشاطاتٍ اجتماعيّة مُشتركة ويتعاونون في الدّفع والمصاريف بشكلٍ يُمكّن الجميع من أن يكون حاضراً... وهذا نُسمّيه support system وهو بالغ الأهميّة ويُقرّب النّاس ويُساعد على تخفيف الضّغط النّفسي الّذي يترافق مع الوضع المُتردّي الحالي".
لكلّ مَن ينتقد طريقة عيش اللّبنانيّين في هذه الفترة الصّعبة، هذه ليست حالة انفصام... هذا شعبٌ لا يستسلم ويُحبّ الحياة ويُضحّي بنفسه وبكلّ ما يملك من أجل لحظة فرحٍ وراحة سرقتها منه دولته وما زالت. "اللّبنانيّ عايش من قلّة الموت ومش ضامن بكرا ورغم هالشّي الأمل بعدو موجود، ضاقت بعينكم يضحك شويّ؟!".

