عماد مرمل - خاص الأفضل نيوز
أعادت أحداثُ مخيّم عين الحلوة فتح ملفّ الأمن الهشّ في هذا المخيّم الذي يقع على خطّ تماسٍ إقليميٍّ - محلّيّ، ولطالما دفع ثمن الصّراعات على النّفوذ والسّلطة بين فصائله.
ومع أنّ المساحة الجغرافية للمخيم صغيرة، إلّا أنّ كلّ تعقيدات السّاحة الفلسطينية والواقع الإقليمي تجتمع فيه، حيث تحوّلت أزقّته الضّيقة صناديق بريد لتوجيه الرسائل وتلقيها، على حساب المدنيين، وأيضًا على حساب القضية الفلسطينية التي يمكن اعتبارها المتضرّرة الأولى والأكبر من النزاعات الجانبية بين حاملي لوائها.
ويمثّل مخيّم عين الحلوة نقطة ازتكاز للوجود الفلسطيني في لبنان ويكاد يكون "عاصمة" المخيمات، وبالتالي فإنّ من يسيطر عليه أو يملك الأرجحيّة داخله، يكون قد استحوذ على واحد من أهم مفاتيح القرار الفلسطيني في لبنان.
ولعلّ "عقدة" مخيم البارد باتت تتحكّم بكثير من الجهات اللبنانية والفلسطينية التي تخشى من أن يُعيد التاريخ نفسه وأن يتكرّر سيناريو "البارد" على "الحامي" في عين الحلوة، خصوصًا أنّ صواعق التّفجير جاهزة والأرض قابلة للتّفاعل مع أيّ مخطّطٍ مُريبٍ يرمي إلى الفتنة والاقتتال.
وقد أظهرت التّطوّرات الأخيرة كم أنّ المخيم مكشوفٌ أمنيًّا ومشرّع النوافذ على كلّ أنواع الرياح، بحيث أنّ أيّ جهاز مخابرات أو تنظيم فاتح على حسابه، يستطيع أن يعبث به وأن يستخدمه في تنفيذ الأجندات المعلّبة. وحتى لو لم تكن أحيانًا بداية الاحتكاكات متعمّدة عن سابق إصرار وتصميم، إلّا أنّ "المستثمرين" سرعان ما يدخلون على الخط لاستغلال الوضع المستجد وتطويعه في خدمة مشاريعهم.
وليس أدلّ على حالة انعدام الوزن السائدة في عين الحلوة من أن ازقّته كانت مسرحًا خلال الأيام الأخيرة لتبادل عمليات الاغتيال في وضح النهار، قبل أن تغدو ساحة لمعركة عنيفة بين حركة فتح وبعض المجموعات الإسلامية المتشددة.
وما يزيد الموقف تعقيدًا هو أنّ المخيّم تحوّل خلال السّنوات الأخيرة إلى ملاذٍ للعديد من المطلوبين والإرهابيين الذين استفادوا من الفوضى وتعدّد المرجعيات وتضارب المصالح وانتشار الجزر الأمنيّة، ليحتموا داخله ويعيدوا تنظيم أمورهم.
والمفارقة أنّ الاشتباكات الأخيرة في عين الحلوة حصلت بالترافق مع اجتماعات قادة الفصائل في مصر لمحاولة رأب الصّدع الدّاخلي من جهة، ومع تصاعد عمليات المقاومة في الأراضي الفلسطينية المحتلة من جهة أخرى، بحيث بدا المخيم وكأنّه يغرّد خارج السّرب، مشوشًا على أصل القضيّة ومشوّهًا لها، وذلك في أكبر خدمة مجانيّة يمكن أن تُمنح للكيان الإسرائيلي.
ثمّ إنّ هذا الاقتتال المتكرّر في مخيم عين الحلوة أو غيره يسمح للبعض، سواء عن حسن أو سوء نيّة، بمعاودة طرح مسألة نزع السلاح الفلسطيني من المخيمات على طاولة البحث، ويساهم في تعزيز حجّتهم، علمًا أنّه من المعروف أنّ مصير هذا السلاح مرتبط بمستقبل الصراع مع كيان العدو وليس من السهل تحقيق فك ارتباط بين الأمرين.
تدرك قيادة الجيش هذه الحقيقة وتعلم أنّ معالجة ملف السّلاح الفلسطيني تحتاج إلى قرار سياسيّ كبير، محلّيّ وخارجيّ، لم يحن أوانه بعد، وبالتالي فإنّ استراتيجية الجيش تتركّز على منع تمدّد التّوتّرات من عين الحلوة إلى جواره وعلى تعزيز التّنسيق مع القوّة الأمنيّة المشتركة لضبط الوضع في أرجائه قدر الإمكان مع ما يتطلّبه ذلك من توقيف للمطلوبين وتسليمهم إلى الدولة اللبنانية.
وكما في كلّ مرّة تنتهي جولات العنف إلى وقف سطحيّ لإطلاق النّار لا يُعالج أسباب التّفلّت الأمني، بل يبقي الجمر تحت الرماد، ما يستدعي من جميع الفصائل أن تتحمّل مسؤوليّاتها بجدّيّة وأن تمنع إبقاء المخيّم حقلًا للتّجارب بالذّخيرة الحيّة، خصوصًا وأنّ اللّاجئين الفلسطينيين كما جيرانهم اللبنانيين ما عادوا يتحمّلون أن يكونوا رهائن لحسابات ضيقة.
لقد حان الوقت كي تغفو عين الحلوة باطمئنان.

