أكرم حمدان - خاصّ الأفضل نيوز
طرحت موجة البيانات التّحذيرية لعدد من السفارات العربية والخليجية تحديدًا في بيروت،أسئلة وعلامات استفهام كبيرة حول توقيتها وتقاطعها، بدءًا من السعودية فالكويت والبحرين وقطر وسلطنة عُمان والإمارات،وصولاً إلى إقحام بعض وسائل التواصل والإعلام لدول غربية مثل ألمانيا،وكأن اتفاقًا مُسبقًا جرى بين هذه البعثات الدبلوماسية لإصدارها في نفس التوقيت.
فلماذا هذا التهويل على اللبنانيين؟ وهل هناك ما يستدعي مثل هذه التحذيرات والبيانات؟ وما علاقة تطورات وأحداث واشتباكات مخيّم عين الحلوة في صيدا ، على الرغم من توقفها المؤقت حاليًا؟ وهل من ارتباط بين هذه البيانات والتطورات الحاصلة في الإقليم والمنطقة والعالم؟ سيما وأن لبنان يقع دائماً على فيالق التطورات السياسية الإقليمية والدولية؟ وماذا عن اتفاق بكين بين المملكة العربية السعودية وإيران الذي أُعلِن بتاريخ العاشر من شهر آذار المنصرم؟
كثيرةٌ الأسئلة والقراءات والتحليلات لهذه الخطوة، فهناك من خفّف من وطأتها على قاعدة أن التحذير السعودي ليس جديدًا، فقرار منع رعاياها من السفر إلى لبنان،لا يزال ساري المفعول منذ سنوات وما جرى هو تذكير به ليس إلا، كما أن لهجة بيانات بقية السفارات كانت مخفّفة على خلفية أنها تذكيريّة وتحذيريّة وتؤشر نحو مناطق التوتر بالدرجة الأولى،أي نحو مخيم عين الحلوة وما جرى فيه على مدى 6 أيام من الاقتتال العنيف بين حركة "فتح" والمجموعات المتشدّدة والمتطرفة داخل المخيم.
في المقابل،هناك من لا يفصل هذه التحذيرات،وخصوصًا السعودية عن التطورات الأمنيّة والسياسية في المنطقة، والتي جاءت بعد التصعيد الأميركي تجاه لبنان، عبر لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس،والتي طالبت في رسالتها الرئيس الأميركي جو بايدن باستخدام الإدارة الأميركية كل الوسائل الدبلوماسية المتاحة لتقديم مصالح واشنطن وإلا سيسقط لبنان في قبضة إيران.
وذهبت اللجنة أبعد من ذلك،من خلال الدعوة إلى فرض عقوبات على رئيس مجلس النواب نبيه بري،ورحّبت بالأصوات الصادرة من أوروبا والتي تدعو إلى فرض عقوبات على مُعرقلي انتخاب الرئيس.
وتقاطعت هذه الأجواء مع حركة اتصالات وضغوط مكثّفة مارستها واشنطن عبر سلسلة موفدين إلى المملكة العربية السعودية من أجل عودة العلاقات بين البلدين إلى مجاريها بعدما كانت تعرّضت لبعض التّعثر جرّاء أزمة "الأوبك بلاس" وموضوع طلب زيادة إنتاج النفط الذي رفضته السعودية،وكذلك اتفاق "بكين" بين السعودية وإيران.
وقد بدأ الحديث عن تحسن في العلاقات وحصول السعودية على عرض ببناء مشروع نووي سلمي، والذهاب إلى اتفاقية دفاعية أمنية وعسكرية مدتها 45 سنةً، مقابل تطبيع العلاقات مع "إسرائيل".
وجاءت الترجمة لهذه الأجواء والمعطيات، من خلال إعلان الرياض عن تأجيل فتح سفارتها في طهران إلى موعد "تجده مناسبًا"،إضافة إلى تراجع الحماسة العربية لعودة العلاقات مع دمشق، كما جرى الحديث عن جمود طاوَلَ الملف اليمني ومفاوضات التسوية بين أطرافه، والوضع في العراق وكذلك مفاوضات الملف النووي بين إيران والولايات المتحدة الأميركية في سلطنة عُمان.
وقد ذهب البعض إلى القول بأن الضغوط الأميركية والسعودية والعربية ستزداد على لبنان هذا الشهر للوصول إلى شهر أيلول،والجلوس إلى طاولة حوار يُحدّدها الموفد الرئاسي الفرنسي وممثل اللجنة الخماسية التي اجتمعت في الدوحة جان إيف لودريان، بهدف الخروج برئيس للجمهورية وفق مواصفات اللجنة.
بالموازاة ، هناك من قرأ تحذيرات السّفارات ربطًا بتطورات مخيم عين الحلوة التي رست بعد اشتباكات لمدة 6 أيام من الاقتتال العنيف بين حركة "فتح" والمجموعات المتشدّدة، وأدّت إلى سقوط 12 قتيلًا، وأكثر من 65 جريحًا.
وعلى الرغم من الحديث عن نجاح الاتصالات في تثبيت وقف إطلاق النار في المخيم، إلا أن المعلومات تتحدث عن استراحة استعداداً لجولات قتال جديدة.
ووفق مصادر"فتح" فإن "الجولة انتهت، ولكن المعركة الكبرى لم تنتهِ،وعدم تسليم قتلة قائد الأمن الوطني الفلسطيني بمنطقة صيدا، اللواء أبو أشرف العرموشي، سيعني تلقائيًا تجدّد العمل العسكري، كما أن هناك إمكانية لاستبدال ذلك بعمليات نوعية أمنية تطول القتَلة المعروفين تمامًا".
وأشارت المصادر إلى "قيام المجموعات المتطرفة بتحصينات ووضع دشم جديدة حول مواقعها"، مرجّحة أن "يكون ما حصل مرتبطاً بملفات لبنانية وإقليمية، ومن ثم بإطار سيناريو مدبَّر، لأنه بات واضحاً أنه كان هناك من يموِّل هذه المجموعات، ومن يقدم لها تسهيلات لوجستية ويمدُّها بالسلاح والذخيرة، ومن ثم لا نستبعد أن يتجدّد العمل العسكري قريباً".
ويرى محلّلون،أن"ما حصل في المخيم قد يتجدّد في أي وقت، خلال أيام أو أسابيع أو عدة أشهر، لأن النار تحت الرماد، وكل فصيل له ارتباطات وأجندات خارجية"، وألمحَ البعض إلى "احتمال أن تكون التطورات في عين الحلوة مرتبطة بالجهود العربية الأخيرة لتوحيد الصفوف داخل السلطة، وإنهاء الخلاف مع حماس".
من جهته، أكّد أمين سر حركة "فتح" في لبنان اللواء فتحي أبو العردات في تصريح بعد اجتماع هيئة العمل الفلسطيني المشترك في صيدا أن "قتل المسلم أصعب عند الله من هدم الكعبة"، مشدّدًا على أن "الارهابيين سرطان إذا لم يُستأصل الآن سيتمدّد"، وقال: "نحن أمام اختبار لوقف إطلاق النار ونعمل عليه بكل جهد".
يُذكر أن رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي كان قد أجرى محادثات عبر الهاتف مع كل من الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ورئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" إسماعيل هنية، ووصف الاقتتال في مخيم عين الحلوة بـ"الانتهاك الصارخ لسيادة لبنان".
وتابع ميقاتي تطورات عين الحلوة،من خلال استقبال عضو اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير الفلسطينية عزام الأحمد الذي وصل إلى بيروت لهذه الغاية،في حضور المدير العام للأمن العام بالإنابة اللواء الياس البيسري ومدير المخابرات في الجيش العميد طوني قهوجي ورئيس لجنة الحوار اللبناني- الفلسطيني باسل الحسن، وعن الجانب الفلسطيني أمين سر حركة "فتح" وأمين سر فصائل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان فتحي أبو العردات وسفير فلسطين أشرف دبور.
وجرى البحث في الإجراءات اللازمة لتثبيت وقف إطلاق النار، ما يعني أن هذا الأمر لم ينته بعد.
وعلى الرغم من الاتصالات التي أجراها ميقاتي مع الرياض والتي تفهّمت الموقف اللبناني وبأن لا خوف من خضّات أمنية مع التأكيد بأن معالجة الوضع المضطرب في "عين الحلوة" شارفت على نهايتها، لا يبدو أن ما جرى في عين الحلوة بعيدًا عن تطورات المنطقة والإقليم وصولاً إلى اتفاق بكين الذي ربما ليس من السهل تجاوزه.

