أحمد نظيف-النهار العربي
لو أردنا البحث عن أكبر ضحايا عشرية الثورة في تونس، فلن نختلف على منح هذا اللقب المأسوي إلى أبناء الطبقات الوسطى بكل درجاتهم وقطاعاتهم. هذه الطبقات التي شيّدها النظام السياسي، منذ الاستقلال عام 1946، قطعة قطعة، وسهر على رعايتها وتوسيع قاعدتها، كي تكون بدورها قاعدته الاجتماعية التي يسيطر من خلالها على السلطة والمجال، تعيش عصور انحطاطها المادي والسياسي.
كان الرئيس التونسي المؤسس، الحبيب بورقيبة، فرداً من هذه الطبقة، قادماً من خارج السديم الأرستقراطي – الإقطاعي المهيمن، وحريصاً على تفكيك القاعدة المادية والاجتماعية لهذه الطبقة الأقلية المسيطرة منذ هيمنته على السلطة، وأكثر حرصاً على بناء طبقة وسطى واسعة، لذلك شهدت هذه التشكيلات الاجتماعية تطوراً متسارعاً، تواصل في عهد خليفته زين العابدين بن علي، الذي راهن على التشكيل الاجتماعي نفسه في توطيد أركان حكمه، ذلك أن الطبقة الوسطى مثلت 67.7 في المئة من سكان تونس عام 1980، و72.9 في المئة عام 1985، و76.9 في المئة عام 1995، لتقفز عام 2010 إلى حدود 80 في المئة. ثم بدأت أحوالها في التدهور، إذ قدر تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2012 معدل الفقر في تونس بنسبة 20 في المئة، أي أن الشرائح الوسطى تراجعت قوتها إلى أقل من السبعين في المئة، إذا ما أخذنا في الاعتبار نسبة الأغنياء. ثم تواصل هذا التراجع متسارعاً، حتى وصلت أوضاع هذه الطبقات إلى مرحلة من التآكل، حيث التحقت الشرائح الدنيا منها بالطبقة الفقيرة، وجزء صغير من الشرائح العليا التحق بالأثرياء الجدد ما بعد الثورة، فيما بقيت الأجزاء الوسطى تكابد أوضاعاً متقلبة.
لكن أزمة الطبقات الوسطى، هي ترجمة لأزمة النظام السياسي التونسي الذي يبدو للوهلة الأولى أنه عاش قطيعةً جذرية في ثورة 2011، إلا أن هذه القطيعة لم تطل إلا شكل النظام، فيما حافظت على جوهر اعتماده على السياسات الاقتصادية والاجتماعية نفسها، من دون أي أفق للتغيير. ليدخل في أزمة اقتصادية، تميزت بتجريف قوى الإنتاج وهيمنة نمط من رأسمالية المحاسيب تقوم على تقاسم المصالح الاقتصادية بعد الدخول في حالة توافق سياسي بين طرفيه الإسلاموي والليبرالي. وقد أدى ذلك إلى تراجع خدمات الدولة العامة، وبالتالي تراجع دورها الاجتماعي.
في المقابل، نمت نفقات المجموعات السكانية ذات الدخل المتوسط نمواً أسرع من دخولها في السنوات السابقة. جنباً إلى جنب مع أنماط الاستهلاك المتغيرة، ارتفعت أسعار بعض السلع والخدمات التي كانت تقليدياً من السلع الأساسية للأسر ذات الدخل المتوسط. نتيجة لذلك، تكافح العديد من هذه الأسر للادخار، وتنفق كل ما تكسبه تقريباً، بينما يذهب البعض إلى السقوط في ديون ضخمة، إلى جانب ما تواجهه من صعوبة في التعامل مع النفقات غير المتوقعة أو الانخفاض المفاجئ في الدخل، لا سيما نفقات الصحة، بعد تجريف القطاع العام ودفع أصحاب الدخول المتوسطة للقطاع الخاص. ورغم أن هذا الوضع أصبح منذ الأزمة الوبائية في عام 2020 وضعاً عالمياً، إذ تراجعت قاعدة الطبقة الوسطى في العالم بنسبة 17 في المئة، إلا أن الحالة التونسية كانت أكثر كارثية وذات جذور أعمق من أزمة وباء كورونا.
هذا التلازم بين الأزمة الاقتصادية وأزمة الطبقة الوسطى يجعل البلاد تدخل في حلقة مفرغة، سيكون من الصعب الخروج منها إلا بسياسات غير تقليدية، ذلك أن الأزمة الاقتصادية، المسبب الرئيسي في أزمة الشرائح الوسطى، تزيد عمقاً وكارثية عندما تسوء أوضاع هذه الطبقات، لأنها الضامن الأكبر للاستهلاك، والمحفز الأكبر للاستثمار في التعليم والصحة والإسكان، فلا يمكن تصور أي ازدهار اقتصادي خارج أفق قوة الطبقة الوسطى التي تلعب إلى جانب ذلك دوراً رئيسياً في الحفاظ على أنظمة الحماية الاجتماعية، وفي دعم موارد الدولة من خلال الضرائب التي تدفعها.
وفي ظل ارتفاع معدلات التضخم وصعود معدل أسعار المواد الغذائية بنسبة 8.7 في المئة خلال عام واحد، مقابل ضعف الأجور في القطاعين العام والخاص، وسياق الوضع الدولي والانكماش الاقتصادي الذي خلّفته الحرب الأوكرانية وارتفاع أسعار الطاقة، يمكن أن يأخذ تآكل الطبقات الوسطى مساراً أكثر سرعة وكارثية خلال الشهور المقبلة.
ومع أن هذا التشخيص البسيط، لا يغيب قطعاً عن صانعي السياسات في تونس، وتؤكده التجربة والواقع، فإن سياسات الحكومات المتعاقبة تسير عكسه، ولا سيما الحكومة الحالية، التي تريد الحصول على قرض جديد من صندوق النقد الدولي بشروط ستكون آثارها كارثية على الطبقات الوسطى، كتجميد الأجور ورفع الدعم عن المواد الأساسية، وهي وصفة مجربة في العديد من الدول، كما تحاول إقناع النقابات بقبول هذه الشروط، من دون التفكير في المآسي التي يمكن أن يقودها هذا التوجه على القطاع الاجتماعي الأكبر في البلاد، والذي يمكن أن تصل آثاره إلى أفق ثورة جديدة، بخاصة أن شروطها الموضوعية متوفرة أكثر مما كانت عليها في شتاء عام 2011. فقد خرجت الطبقات الوسطى حينذاك لتحسين أوضاعها، وهذا المرة ستخرج للدفاع عن وجودها المهدد بالفناء.

alafdal-news
