د. علي دربج - خاصّ الأفضل نيوز
لا توفر الولايات المتحدة أي جهد للضغط على "حماس"، بهدف دفعها إلى التنازل في ملف الأسرى الصهاينة. أما آخر محاولات واشنطن، فهي إبلاغ قطر بضرورة طرد قيادات "الحركة" من أراضيها إذا استمرت الجماعة في رفض وقف إطلاق النار مع إسرائيل، وهو اتفاق تعتبره إدارة بايدن حيويا لتخفيف الاضطرابات التي تجتاح الشرق الأوسط، بحسب مسؤول أمريكي على دراية بهذا الملف.
ولهذه الغاية، قام وزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكن، بتسليم رسالة بهذا الخصوص، إلى رئيس الوزراء محمد بن عبد الرحمن آل ثاني في نيسان الماضي، وفقًا للمسؤول الأمريكي، الذي رفض الكشف عن هويته نظرا لحساسية المحادثات مع القيادة القطرية.
وكان بلينكن – الذي عاد إلى الشرق الأوسط الأسبوع الماضي في محاولة أخيرة للتوصل إلى اتفاق من شأنه وقف القتال، وإطلاق سراح بعض الرهائن المتبقين البالغ عددهم 130 أو نحو ذلك، وفرملة الهجوم الإسرائيلي على رفح – قد شكر قطر على جهودها ودورها في التوسط في المحادثات، فيما حمّل حماس المسؤولية المباشرة، لقبول الاقتراح الإسرائيلي الأخير المتعلق بالصفقة، حيث حذر قائلا "هناك اقتراح على الطاولة، مضيفا: لا تأخير ولا أعذار الآن."
وما هو موقف المسؤولين القطريين من طلب واشنطن طرد حماس؟
في الواقع لم تكن القيادة القطرية بعيدة عن القرار الأمريكي، وفقا لثلاثة دبلوماسيين أمريكيين مطلعين على الوضع. إذ إن المسؤولين في الإمارة الخليجية، التي استضافت القيادة السياسية لحماس بناء على طلب أمريكي منذ عام 2012، توقعوا الطلب منذ أشهر، لكن تلك الضغوطات الأمريكية زادت وتيرتها في الأسابيع الأخيرة وسط إحباط متزايد بشأن المأزق المطول المتعلق بوقف إطلاق النار بغزة.
الأكثر أهمية هو ما نقلته صحيفة الواشنطن بوست، عن أحد الدبلوماسيين الأمريكيين، الذي كشف عن أن المسؤولين القطريين نصحوا مسؤولي حماس – بما في ذلك إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي للجماعة الذي يعيش في الدوحة– بضرورة وضع خطة احتياطية للإقامة في بلد آخر إذا احتاجوا إلى المغادرة.
بالمقابل أكد ماجد الأنصاري، مستشار رئيس الوزراء القطري والمتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية، في مقابلة مع وسائل الإعلام الإسرائيلية الأسبوع الماضي، "إننا لم ندخل في علاقة مع حماس لأننا أردنا ذلك. وكشف أن "الولايات المتحدة طلبت منا ذلك"، كما عبرّ الأنصاري عن استيائه قائلا "يتم استخدام قطر بمثابة كيس ملاكمة سياسي لأولئك الذين يتطلعون إما إلى حماية مستقبلهم السياسي أو الحصول على المزيد من الأصوات في الانتخابات المقبلة”، في انتقاد واضح للسياسيين الأمريكيين ولرئيس حكومة إسرائيل الفاشية بنيامين نتنياهو، الذي تجنب ذكره بالاسم.
الجدير بالذكر، أنه في أعقاب عملية طوفان الأقصى، أخبر بلينكن أمير قطر أن علاقة الدوحة مع حماس، لا يمكن أن تكون "عملاً كالمعتاد"، لكنه أبلغ سرًا أن إغلاق مكاتب حماس يمكن تأجيله، لتوفير الوقت لإجراء مفاوضات حاسمة بشأن الرهائن.
وما مدى واقعية قرار واشنطن بشأن طرد حماس؟
عمليًّا، في حين ترى إدارة الرئيس جو بايدن أن التهديد بترحيل حماس يمثل ضغطًا محتملاً على الحركة، يحذر بعض المسؤولين الأمريكيين والمحللين الإقليميين من أن إغلاق المكتب السياسي لحماس في الدوحة من شأنه أن يزيد من تعقيد جهود التواصل مع قادتها واستئناف المفاوضات بشأن الرهائن في المستقبل.
وتعليقا على ذلك أوضح مسؤول أمريكي على صلة بالمحادثات، أن ممارسة الضغط على حماس في الدوحة غير فعّال. وأشار إلى: "المشكلة هي أن الأشخاص الذين يتخذون القرارات موجودون في غزة، ولا يهتمون بمكان وجود المكتب السياسي".
وبالمثل قال باتريك ثيروس، سفير الولايات المتحدة السابق في قطر، إن طرد حماس من قطر سيكون بمثابة "كابوس" للبيت الأبيض، مما سيمنع فعلياً أي محادثات مستقبلية. وتابع "كنا نقطع أنفنا نكاية في وجوهنا".
على المقلب الآخر، يلقي العديد من المسؤولين الأمريكيين باللوم على قطر بسبب الجمود في المفاوضات، خصوصا بعد نفاذ صبرهم تجاه حماس، ولهذا أصبحت الدوحة هدفاً شعبياً بشكل متزايد للسياسيين الأميركيين - بدءاً من السيناتور الجمهوري توم كوتون (أركنساس) وصولا إلى النائب الديمقراطي ستيني هوير (ماريلاند). الذي قال مؤخراً إن الولايات المتحدة ستضطر إلى إعادة تقييم علاقتها مع قطر إذا لم تمارس "الضغط" على حماس للتوصل إلى اتفاق.
وبالمثل دعا مشرعون أمريكيون آخرون إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، إلى إجبار قطر على قطع علاقاتها مع الحركة بالكامل.
اكثر من ذلك، أكد مسؤولون أميركيون في أحاديث خاصة أنه إذا غادرت حماس الدوحة إلى دولة لديها علاقات أسوأ مع واشنطن، مثل تركيا أو لبنان، فإن ذلك قد يجعل حل أزمة غزة أكثر صعوبة. ولكن بعد أشهر من محادثات الرهائن، واتهام واشنطن لحماس بالمراوغة مقابل ما يعتبره المسؤولون الامريكيون تنازلات إسرائيلية كبيرة، أصبح عدد من القيادات أكثر ارتياحا لفكرة الضغط من أجل نفي حماس من قطر.
وما علاقة طرد حماس بنقل جزء من القوات الجوية الأمريكية من الإمارات إلى قطر؟
بموازاة التكهنات حول مستقبل حماس بالدوحة، كان لافتا توقيت قيام الجيش الأمريكي بنقل طائرات بدون طيار هجومية مقاتلة وطائرات أخرى من الإمارات العربية المتحدة إلى قطر، بعد أن فرضت أبو ظبي قيودًا على العمليات الأمريكية، والكلام هنا يعود لدبلوماسي أمريكي كبير من المنطقة. إذ تعد هذه الخطوة، التي نشرتها صحيفة وول ستريت جورنال لأول مرة، علامة جديدة على كيفية تغيير هجمات 7 أكتوبر، للسياسات والاستراتيجيات الطويلة الأمد القائمة في الشرق الأوسط.
أما السبب، فيرتبط باستخدام القوات الأمريكية القواعد الإماراتية في الشرق الأوسط لشن غارات جوية ضد الجماعات المتحالفة مع إيران في سوريا والعراق واليمن، حيث أدت الحرب الإسرائيلية في غزة إلى زيادة التوترات في المنطقة ودفعها نحو اتجاهات خطيرة لا يمكن التنبؤ بها. من هنا قال الدبلوماسي أعلاه، إن خطر حدوث رد فعل سلبي على الشراكة الإماراتية العسكرية مع واشنطن، وربطها بالنشاط العسكري الأمريكي أثار قلق بعض حلفاء واشنطن العرب، مما دفع البنتاغون إلى نقل عدد من الطائرات الحربية، إلى قاعدة العديد، وهي قاعدة جوية أمريكية رئيسية في قطر، لم تفرض قيودًا مماثلة على نشاطات وحركة الجيش الأمريكي العسكرية.
في المحصلة، مع نفي هنيّة علنا التقارير التي تقول إن حماس قد تنتقل إلى تركيا، فمن غير المستبعد، رضوخ قطر لمشيئة الإدارة الأمريكية وبالتالي تنفيذ طلب واشنطن ترحيل رجالات الحركة من أراضيها. وبذلك قد يفقد البيت الأبيض ورقة العلاقة الطيبة بين حماس والدوحة، التي سيحتاجها الأمريكي حتما في المستقبل، للتواصل مع الحركة وإن بشكل غير مباشر (كونها ممثل رئيسي لقسم كبير من الفلسطينيين)، خصوصا وأن اليوم التالي لانتهاء الحرب بغزة، سيطلب وسيطا فاعلا تربطه علاقة وثيقة وجيدة بالحركة، مثل قطر. وعليه فإن الولايات المتحدة بقرارها هذا، تكون قد دفعت حماس بجميع أذرعها، إلى الحضن الإيراني بالكامل.

alafdal-news
