طارق ترشيشي- الجمهورية
هي «أكثرية ذات الأسرار» التي أنتجتها الانتخابات النيابية الأخيرة وكانت نتائج انتخابات رئيس المجلس النيابي ونائبه وهيئة مكتب المجلس ورؤساء اللجان النيابية وأعضائها والمقررين، أحد مشاهدها التي ستتكرّر مع كل المناسبات والاستحقاقات طوال ولاية المجلس الجديد.
ومن أسرار هذه «الأكثرية ذات الأسرار» أنّ الاكثرية التي انتخبت الرئيس نبيه بري رئيساً لمجلس النواب لولاية سابعة هي غير الأكثرية التي انتخبت نائبه الياس بوصعب وأمين السر النائب ألان عون. فالاكثرية التي انتخبت بري كان نواب «اللقاء الديموقراطي» في عدّادها، لكنّ هؤلاء فوجئوا بالأكثرية المطلقة (65 صوتاً) التي انتخبت بوصعب لأنهم كانوا يعتقدون أنّ قرارهم بعدم انتخابه سيؤدي الى سقوطه وفوز منافسه غسان سكاف الذي نال 60 صوتاً.
ويقول البعض أنّ السرعة التي تكوّنت بها أكثرية بوصعب في الجلسة الانتخابية نفسها أسقطت من يد النواب الجنبلاطيين وآخرين إمكانية أن يلعبوا دور «بيضة القبّان» التي من شأنها ان تميل إلى هذا الفريق أو ذاك وفقاً لِما ترتأيه مصلحتهم السياسية أو الخاصة، لكن انتخاب بوصعب من دون حاجته إلى أصواتهم جعلهم يعيدون النظر في الدور الذي يراهنون على أن يكون فعلاً «بيضة القبّان».
وقد استدلّ البعض من واقعة الأكثريات التي انتخبت بري وبوصعب وآلان عون على أنّ الأكثريات في المجلس الجديد، سواء كانت مطلقة أو «سوبر مطلقة»، ستتكوّن في أي وقت يشاء مَن يملك بناصيتها سواء كان قوة سياسية نافذة ووازنة أو ائتلافاً من مجموعة كتل وقوى.
فريق آخر من المراقبين يقول إنّ استحقاق انتخابات رئاسة المجلس النيابي وكل الطبخة التشريعية أظهرت وجود ثلاث أكثريات نيابية مُطلقة يُمسك رئيس المجلس بناصيتها، وهي: الأكثرية التي انتخبت بري، والاكثرية التي انتخبت بوصعب في مواجهة النائب غسان سكاف، والأكثرية التي انتخبت آلان عون في مواجهة النائب «القواتي» زياد حواط.
هذه الأكثريات، يقول قطب نيابي، أظهَرت أنّ حساب الحقل لدى بعض القوى السياسية قبل الانتخابات لم ينطبق مع حساب البيدر وإن كان المشهد العام للمجلس أوحَى بعد الانتخابات أن لا فريقاً سياسياً منفرداً فاز بالأكثرية على رغم من أنّ البعض يخرج من تجربة استحقاق المطبخ التشريعي بانطباع في أنّ أحد أسرار الأكثرية النيابية الجديدة يكمن في كتلتين: تكتل "لبنان القوي" وكتلة نواب "قوى التغيير" معطوفاً عليهما عدد من النواب المستقلين.
وقد أظهرت الوقائع مداورة أنّ تكتل «لبنان القوي» يتفلّت بعض أعضائه من قراره المركزي إذا دعت الحاجة في أي وقت لينتخبوا غير ما يشتهي التكتل، والأمر نفسه ينطبق على قسم من النواب التغييريين والمستقلين، ما يعني أنه كانت لهؤلاء مجتمعين مساهماتهم في النتائج الانتخابية التي جاءت ببرّي إلى رئاسة المجلس مجدداً من دون مُنازع، ومَكّنت أبو صعب من الفوز على سكاف مثلما مَكّنت آلان عون من الفوز على حواط.
وفي اعتقاد بعض المعنيين أنّ هذا المشهد سينسحب الخميس المقبل على الاستشارات النيابية الملزمة بتسمية الشخصية التي ستكلّف تأليف الحكومة الجديدة، وسيَتظهّر المشهد أكثر في عدد الأصوات التي سينالها من سيكلّف تأليف الحكومة والمُرجّح إلى الآن أن يكون رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، إذ أنّ الاحتمالات ضئيلة بأن يتفوّق عليه خيار آخر يعمل عليه بعض الكتل والقوى السياسية استباقاً ليوم الاستشارات «الكبير» كما يسمّيه البعض. لكن ما لم يسلّط الضوء عليه الآن هو أنّ تَفسّخاً حصل في صفوف بعض القوى السياسية مَشفوعاً بانعدام ثقة واتهامات متبادلة بالمسؤولية عمّا انتهت إليه انتخابات المطبخ التشريعي، ما أعادَ إلى الاذهان بعض ما شهدته حقبة المجلس السابق سواء على مستوى العلاقات بين بعض أركان السلطة التي انبثَقت من ذلك المجلس والتي يعرف الجميع ما أدت إليه من نزاعات لا تزال البلاد تعيش تداعياتها السلبية حتى الآن، سواء على مستوى الأزمة السياسية أو على مستوى الانهيار الكبير المالي والاقتصادي والمعيشي الذي دخلته البلاد منذ خريف 2019 وما زالت فصوله تتوالى إلى اليوم.
وفي اعتقاد سياسيين متابعين للواقع الراهن في ظلّ الاستحقاق الحكومي الماثِل تأسيساً على الاستحقاق النيابي يسخف قول البعض من أنّ الحكومة الجديدة ستكون حكومة انتقالية وأن لا داعي للاشتباك حولها، لأنّ واقع الانهيار الكبير الذي يعيشه البلد لم يعد يمنح أحد تَرف الحديث عن مرحلة انتقالية، لأنّ مرحلة الحكومة السابقة والحكومة المنتظرة والحكومات اللاحقة هي كلها مراحل وجودية ومصيرية تفرض على الجميع تحمّل المسؤولية، فالأزمة القائمة هي ازمة مصير بلد وشعب تستدعي معالجات عملية ولا تتحمّل اي انتقالية تعتمد في أوضاع طبيعية أو شبه طبيعية.
ويضيف هؤلاء أنّ ما أسّسته حكومة ميقاتي هو مَسار يُبنى عليه، سواء أيّده فريق أو عارَضه آخر ويمكن تطويره وتعديله من أجل دفع البلاد الى آفاق الانفراج. ويشيرون إلى أنه لا يمكن أن يستقيم المقام لأيّ فريق يُعارض تكليف هذه الشخصية او تلك ثم يأتي في اليوم التالي ليطالب بالمشاركة في الحكومة الجديدة، وبالتالي الواقع يقول أنّ الأزمة تهدد الكيان برمّته والأوْلى بالجميع التعاون لمعالجتها إذ لا وقت الآن للتناحر أو التحاصص، علماً أنه لم يعد هناك من شيء أملم الجميع ليتحاصَصوا عليه سوى تَوزّع المسؤولية فيما بينهم والتعاون بصدق على تحقيق الانقاذ الوطني الشامل.

alafdal-news
