جورج شاهين- الجمهورية
في انتظار أن يعود الوسيط الأميركي عاموس هوكشتاين بالجواب الإسرائيلي على التعديل اللبناني المقترَح على خطه المتعرج الذي طرحه في 8 شباط الماضي، تتعدّد القراءات التي تُحاكي المرحلة المقبلة، ذلك أنه لم يُبلّغ أحداً بالمواعيد التي تحكم حركته المقبلة متمنياً التريّث للحصول على ردّات الفعل المنتظرة، وهو ما ترك الباب مفتوحاً أمام مجموعة من السيناريوهات، وهذه عيّنة منها.
قبل استعراض أيّ من السيناريوهات المرتقبة والتي يأمل المسؤولون اللبنانيون فيها منذ إنهاء هوكشتاين زيارته لبيروت مساء الثلاثاء الماضي، توقّف المراقبون أمام فقدان أي إشارة شخصية صدرت عنه أو عن أي جهة أميركية أخرى تلقي الضوء على المحطات المقبلة التي يستعد لها ومنها خريطة الطريق التي سيلجأ إليها لاستكمال مهمته. فللمرة الأولى وفي مثل هذه الزيارات المهمة لموفد على هذا المستوى لم تصدر السفارة الأميركية أي بيان يلخّص ما انتهت إليه واكتفت على ما يبدو بالتصريحات التي أدلى بها إلى وسائل اعلام اميركية.
وإلى هذه الملاحظات المهمة، فقد تبيّن لاحقاً أنّ أيّاً من المسؤولين اللبنانيين الذين التقوا هوكشتاين لم يكن لديه أي معلومات دقيقة عن طريقة مقاربته المقبلة لمهمته كوسيط مسهل وطريقة السعي الى نَيل الجواب الاسرائيلي على المقترحات اللبنانية وردّها خارج حديثه عن مهلة أقصاها عشرة أيام او اسبوعين، قبل أن يتمنى عليه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون أن يكون الجواب سريعاً قدر الإمكان، فالمرحلة دقيقة ولا يمكن أن تبقى هناك أي أسباب قد تقود إلى أي عمل أمني يؤثر على السلم والأمن في لبنان والمنطقة.
وانطلاقاً من هذه المعطيات، توسّعت القراءات التي تُحاكي المرحلة المقبلة من دون قدرة أحد على البَت بما هو منتظر، وخصوصاً على مستوى استئناف المفاوضات غير المباشرة المتوقفة منذ 5 أيار العام الماضي عندما جَمّدها سلفه جون دو روشيه قبل أن يتفرّغ لمهمته الجديدة كسفير لبلاده في قطر.
وبعيداً من المعلومات عن وجهته المقبلة، والتي بقيت ملكاً للمراجع الأمنية التي رافقت هوكشتاين إلى صالون الشرف في المطار، فإنّ هناك من قال أنه توجّه مباشرة إلى بلاده، وتحدث آخرون عن زيارة قام بها إلى مكان ما قبل أن يعود إليها. فالمهمة الطارئة التي أنجَزها في بيروت تقاطعت مع مجموعة من المهمات التي يقوم بها بصفته من المكلفين الكبار بشؤون أمن الطاقة العالمي لمعالجة الترددات الكبيرة التي تسبّب بها الغزو الروسي لأوكرانيا وما يمكن القيام به لضمان حاجة عدد من الدول الصديقة للولايات المتحدة من مصادر الطاقة تعويضاً عن النقص الحاصل نتيجة العقوبات المفروضة على روسيا.
وقبل أن يضطرّ هوكشتاين لتلبية دعوة لبنان إلى هذه الزيارة العاجلة والسريعة، كان مُنهمكاً بمعالجة الأزمات الناجمة من المبادرة الروسية التي ردّت من خلالها على قرارات مقاطعة إنتاجها بوَقف تصدير الغاز من جانب واحد الى عدد من الدول الأوروبية الواقعة في محيطها الجغرافي وعلى تَماس مع المواجهة القائمة مع أوكرانيا، بعدما أفاضت بدعمها العسكري والمالي للحكومة الأوكرانية أو هدّدت بمزيد من العقوبات التي أدّت الى إقصاء موسكو عن كثير من الاندية الدولية والمؤسسات الاممية، والتي لم توفّر الأحداث الثقافية والرياضية عدا عن حظر الأجواء أمام مسؤوليها الكبار إلى درجة اضطرّ فيها وزير الخارجية سيرغي لافروف إلى إلغاء بعض الزيارات الخارجية بعدما أقفلت جاراته مجالها الجوي أمام طائرته.
وإلى هذه الملاحظات الأساسية، ثمّة من يعتقد أنّ نتائج زيارة هوكشتاين لبيروت كانت علنية إلى درجة كبيرة، وأن مجرد تسرّب الخرائط المقترحة من الجانب اللبناني أفقدها سريّتها. وعليه، فإنّ من أبسط ما هو مفترض أن تكون إسرائيل قد بدأت في مناقشة وتحليل للموقف اللبناني الذي لم يقدّم اي معطيات مفاجئة أو غريبة عن المتعاطين بهذا الملف من أساسه، وبكل الأبعاد العلمية والتقنية وقياساتها الخاصة بالخطوط البحرية وسيكون جوابها متوافراً في وقت قريب إن لم يكن قد بات جاهزاً. فالجميع يدرك أنّ تل أبيب لا تحتاج إلى استشارات داخلية، فالقرار موجود في مكان واحد والدليل أنّ أي موفد أميركي او أجنبي لا يحتاج إلى القيام بجولات مكوكية في تل أبيب كالتي يُجريها بين المقرّات الحكومية والسياسية والأمنية والديبلوماسية في بيروت.
وتأسيساً على ما تقدّم من معطيات، فإنّ هناك من يترقّب المرحلة الفاصلة بين مغادرة هوكشاين بيروت وموعد زيارته المقبلة لإسرائيل إيذاناً ببدء جولاته المكوكية إن قرّر القيام بها بين بيروت وتل أبيب في وقت يعتبر كثر أتنّ مثل هذه الجولات مُستبعَدة راهناً. ويستند أصحاب هذه النظرية إلى معلومات تفيد انّ ما أنجزه قد يؤدي الى ستاتيكو جديد. وعليه، فإن لم يَقم هوكشتاين بزيارة سريعة إلى إسرائيل فإنّ ذلك قد يشكل مؤشراً لهذه الاستراتيجية الجديدة التي سيعتمدها بعدما اطمأنّ إلى التعهدات المتبادلة بعدم القيام بأي عمل عسكري. وهو ما سيسمح له بإطلاق نظرية جديدة تقول بتجميد العمل من الجانبين اللبناني والاسرائيلي في المنطقة المتنازَع عليها ما بين الخطين 23 و29 - على رغم من عدم الاعتراف الجامِع بالخط الثاني - إلى مرحلة غير بعيدة إلى حين إعادة إطلاق المفاوضات في الناقورة.
وبناء على ما تقدّم، يبدو للمراقبين الأكثر اطلاعاً على ما يجري في المنطقة والتحضيرات الجارية لتسويق الغاز المصري والإسرائيلي في أوروبا في اعتباره المخزون الأقرب إليها والاقل كلفة بدلاً من الغاز الروسي، إنّ على لبنان انتظار ما ستؤول إليه نتائج زيارة الرئيس الأميركي جو بايدن إلى إسرائيل والمملكة العربية السعودية لاستكشاف مستقبل الطاقة وتكلفتها، فإن تَجاوَبت الرياض مع مطالب واشنطن بزيادة إنتاجها قبل نهاية الصيف المقبل ستتراجع أسعارها العالمية وتتوافَر الكميات التي تغطّي النقص الحاصل، عندها يمكن التفرّغ مجدداً لملف ترسيم الحدود.
ولذلك اختصر أحد الخبراء المشهد الذي تَبعَ زيارة هوكشتاين، وقال: «أيّاً كان الجواب الإسرائيلي فإنّ التفاهم عن بُعد حول حجم المنطقة المتنازع عليها قد يسمح باستئناف لبنان أعمال الاستكشاف في أي منطقة تبتعد عنها مقابل أن تستمر «اينيرجين باور» في مهمتها طالما أنها تعمل في منطقة خارج تلك المتنازَع عليها. ولذلك، قد يكون تمديد وزير الطاقة مهلة تقديم طلبات الاشتراك في دورة التراخيص الثانية إلى 15 كانون الأول 2022 المقبل لإتاحة الفرصة المفقودة أمام لبنان للقيام بما لم يكن مسموحاً به من أعمال الاستكشاف وليس إفساحاً في المجال لشركات إضافية غير العاملة حالياً في المياه البحرية اللبنانية كي تحضّر ملفاتها ودراساتها والاشتراك في هذه الدورة كما أعلن وحسب. ولينطلق من بعدها مشوار لبنان مع الثروة الغازية حيث يريد وفي أي بلوك بعيداً من المنطقة المتنازَع عليها

alafdal-news
