نبيه البرجي - خاصّ الأفضل نيوز
في بداية التسعينات من القرن الماضي، قال هنري كيسنجر، صاحب نظرية الحقيبة والدبابة، أي الديبلوماسية والحرب، لمجلة "باري ماتش" الفرنسية، أن التسويات الكبرى تحتاج إلى حروب كبرى.
هذا ما حدث في وستفاليا (1648 )، وفي فيينا ( 1815 )، وفي يالطا (1945 )، وفي كمب ديفيد (1978 )، حتى أنه اعتبر أن الحرب الباردة وراء مؤتمر هلسنكي (1975 ).
لاحظ أن أزمة الشرق الأوسط الأكثر تعقيداً بين أزمات القرن "لا تعلم ما إذا كان الصراع بين الإيديولوجيات أم بين الاستراتيجيات. بين العروش أم بين الأنبياء، حتى أنني، في محادثات فض الاشتباك بين سوريا وإسرائيل، والتي أعقبت حرب 1973، كنت أشعر أحياناً بأنني بحاجة إلى الملائكة للتدخل، وبشكل مباشر، في تلك المحادثات...".
الآن، باحثون أميركيون يرون أن بقاء الشرق الأوسط على ما هو عليه من الاحتقان، قد يقود إلى انفجارات تتجاوز المنطقة بكثير، ما دامت العلاقات الدولية على ذلك المستوى من الضبابية، ومن التشابك.
ولكن من يضمن أن تفضي حرب كبرى في منطقة تقيم على تخوم الغيب إلى التسوية لا إلى الفجيعة؟ آرون ميلر، الديبلوماسي المخضرم، قال "مثلما إسرائيل ضرورة أميركية مشكلة أميركية".
التخوف من أن يبقى بنيامين نتنياهو على الاستنزاف المروع للدور الأميركي.
المؤكد أن الإيرانيين، بتطلعاتهم الجيوسياسية، يدركون حساسية المشهد الإقليمي.
يدركون أيضاً، ما العواقب الكارثية للحرب، لأنها إن اندلعت، ستكون من دون أفق، وقد يتحول الشرق الأوسط، لا الشرق الأوروبي، ولا الشرق الآسيوي، إلى مسرح لصراع الأمبراطوريات.
بول كروغمان، الحائز نوبل في الاقتصاد أبدى خشيته من أن يكون "ذلك المكان الذي شهد بدايات العالم المكان الذي يشهد نهايات العالم".
ما يستشف من تعليقات الصحف الأميركية الكبرى أن آيات الله بالغوا في تصور نقاط القوة لديهم، مثلما بالغوا في تصور نقاط الضعف الأميركية، لذلك هم في مأزق حقيقي، ونحن نراهم قد أعطوا تلك الفسحة من الوقت للجهود الديبلوماسية.
هذا ما يعرفه زعيم الليكود الذي يلعب على حافة الهاوية (Brinkmanship politics )، دون أن يدري أن الايرانيين، وبشهادة الأميركيين، أكثر براعة في هذه اللعبة، ما بدا واضحاً في تعاملهم إن مع جو بايدن أو مع دونالد ترامب.
ولكن، للوهلة الأولى، وربما للوهلة الثانية، ألا يبدو الإيرانيون وكأنهم كادوا يقعون في فخ نتنياهو، تاركين للأميركيين أن يتخذوا كل الخطوات العملية، والعملانية، لاستيعاب ما أمكن من الضربة المنتظرة، وإن كانوا في أي حال، لا يستطيعون تكرار سيناريو 14 نيسان بالبرمجة المسبقة للعملية كتظاهرة للقوة لا لضرب أهداف اسرائيلية حساسة.
كثيرون لم يقتنعوا بذلك، ليشككوا في المواقف الإيرانية، وفي السياسات الإيرانية.
إنه التجاذب في حدوده القصوى. وإنه الاحتقان في حدوده القصوى.
في هذه الحال، كيف يمكن تفادي الانفجار الذي لا يبقي ولا يذر، مع اعتبار أن كل البلدان المعنية، بما في ذلك إسرائيل، تواجه أكثر من أزمة بنيوية وحتى من أزمة استراتيجية.
المعلومات تؤكد أن الولايات المتحدة حالت دون الدولة العبرية والقيام بضربة استباقية (وهي الحجة الإسرائيليّة التقليدية)، بتدمير المنشآت النووية، والمرافئ، وحقول النفط الإيرانيّة لأن من شأن ذلك دفع آية الله خامنئي وإصدار فتوى بصناعة القنبلة، لنتصور دولة في قلب الكارثة، وبيدها القنبلة النووية.
هذا ما يثير الهلع لدى الأميركيين الذين طالما توجسوا من مواقف وزراء إسرائيليين حول اللجوء إلى الخيار النووي لضرب غزة.
ويبقى السؤال: هل توجيه الضربة، أو الضربات إلى إسرائيل، والتي تقابلها ضربة، أو ضربات إلى إيران تغيّر في مسار الأزمة؟ لا... بطبيعة الحال!

alafdal-news
