حنين زعرور- خاصّ الأفضل نيوز
التّفكير الزائد مهلك. أهرب أحيانًا من جميع أفكاري؛ نهارًا عبر الانشغال بأيِّ شيء يُلهيني عن الجلوس وحدي، ولكن كلّ هذا يذهب سدًى بمجرّد أن أضع رأسي على وسادتي ليلًا، وكأن رأسي مسجِّل صوتٍ، أو بكلمات أخرى: أشعر بأن داخلَ رأسي شخصٌ آخر، (أنا أخرى)، تستغلّ الفرصة حينما أكون وحدي وتحدثني، تناقشني في أموري، تقلقني من أمورٍ لم تحدث بعد، وأحيانًا أخرى تعاتبني. هي ليست شبحًا، إنها فقط بعض الأمور التي تشغل بالي، فتأتيني دفعةً واحدةً لتهلك عقلي.
يشغل بالي مستقبلٌ شبه مجهول. أصحو كلّ يومٍ صباحًا لحضور محاضراتي الجامعيّة مع باقي الزملاء والطّلاب، في تخصصٍ لم أختره، وفي كليّةٍ لا أعرف كيف وجدتُ نفسي بها! والأغرب أنَّني إلى الآن لا أعرف ما الوظيفة التي أريدها. وإذا تخرّجتُ، فماذا بعد ذلك؟ ما الذي أنتظره بعد أن ألبس ثوبَ تخرجٍ وأحمل شهادةَ النجاح؟ ولنفترض أنّني حصلت على وظيفة، فما الغاية التي أردت لأجلها أن أحصل على تلك الوظيفة؟ لتحقيق حلمٍ ما؟ أو فقط من أجل مصدرٍ يؤمّن لي مصدر عيشي؟ لا أعرف... ولكنّني آمل أن أصل يومًا إلى الإجابة.
يشغل بالي مكانٌ أجبرتُ على العيش فيه. دنيا أخرى لا تُشبهني، وأشخاصٌ حولي لا أعرفهم... شوارعُ غريبة، وعلاقاتٌ مزيفة. أحنُّ إلى بيتي القديم، بيت الطفولة والبراءة اللّتان اضطررتُ إلى تركهما إثرَ خلافاتٍ عائلية لا ذنبَ لي فيها. ولكن كالعادة، يقع الأولادُ ضحيةَ أخطاء ما يدعون ب"الكبار". أفكر ما إذا كنتُ سأستطيع يومًا حزم حقائبي وترك كل شيءٍ، والهرب من هنا... أريد الابتعاد والذهاب إلى مكانٍ آخر، ومجرةٍ أخرى، إلى دنيا حيث أستطيع البدء من جديد ، البدء بحياة من اختياري، أحقّق فيها أحلامي التي بدأت تتلاشى مع مرور الوقت عندما فقدَتْ الأمل مني!.
يشغلُ بالي مغتربٌ بعيدٌ عن ناظريّ، كنت قد أسميته سابقًا روحي. ولكنّني والله، لم أعلم سابقًا أنه يمكن للروح بالانفصال عن الجسد والبقاء على قيد الحياة. أفكر ما إذا كان سعيدًا في بلد الاغتراب، وفيما إذا كان سيعود يومًا، وكم من المرّات يفكّر بي يوميًا. أخاف عليه من كلّ همٍ يصيبُ قلبَه، وكلّ تعبٍ يهلك جسده. أريد لقاءه، ما أريده ليس مستحيلًا، ولكنّه يفوقُ قدرتي. أراه يوميًا في أحلامي، وفي يقظتي أرى الوجوه كلها كأنّها وجهه، وكأنَّ أشباهه الأربعين اجتمعوا ويجولون حولي.
ما يشغل بالي هي أفكاري الضّبابيّة التي غطت أحلامي الورديّة، ظنًّا منها أنني فاشلة عاجزة عن تحقيق شيء، ولكن لا!! من اليوم لن أسمح لتلك الأفكار السلبيّة بأن تراودني. فبالتأكيد، يومًا ما سأصل إلى كل ما أريده... انتظريني أيتها الأحلام، فها أنا هنا أصعد على سلمك لأصل إليك خطوة... فخطوة..!

alafdal-news
