نبيه البرجي - خاص الأفضل نيوز
لعل العام الذي انقضى عام بنيامين نتنياهو.
لبنانيًّا، اغتيال السيد حسن نصرالله، والسيد هاشم صفي الدين، وتدمير الجنوب والضاحية، ناهيك عن بعلبك ومناطق أخرى في البقاع وغيره.
فلسطينيًّا، اغتيال اسماعيل هنية، ويحيى السنوار، ومحمد الضيف، وتدمير غزة على أهلها.
كذلك اجتياح مدن ومخيمات الضفة وقتل المئات من النخب الشبابية.
أميركياً، استطاع أن يمتطي ظهر جو بايدن، وأن يفرش طريق البيت الأبيض بالجثث أمام دونالد ترامب.
لكن الحدث ـ الزلزال الذي ضرب الشرق الأوسط هو الحدث السوري.
هل يبالغ معلقو صحف اليمين في إسرائيل حين يقولون أن دمشق "باتت في قبضتنا". وقد يقولون أن إسطنبول باتت في قبضتهم ما دام رجب طيب أردوغان قد وقع في الفخ الإسرائيليّ، كما في الفخ الأميركي.
إذا لم يكن يعلم أن من يمسك بسوريا، وبوجود ذلك الكاليغولا في المكتب البيضاوي، إنما يمسك بكرة النار.
سوريا التي منذ ظهورها، وقد سبق وأوردنا وصف المؤرخ الفرنسي جان ـ بيار فيليو لها، بـ"الابنة الكبرى للتاريخ"، والتي أعطت روما سبعة أباطرة، كما أنتجت زنوبيا التي كادت تستولي على الأمبراطورية الرومانية الشرقية، بعدما وصل جيشها إلى مصر، وإلى آسيا الوسطى، لطالما كانت مسرح الصراعات الكبرى، لنستذكر قول وزير الخارجية الروسي سيرغي أندروبوف لنظيره الأميركي جون كيري "حددوا لنا أي نظام بديل تريدونه في سوريا لكي نجلس إلى الطاولة".
كيري، وكان يرأس الديبلوماسية الأميركية في عهد باراك أوباما، استمهل أسبوعين للإجابة التي لم تصل أبداً بعدما أحصى نائب رئيس الاستخبارات في البنتاغون ديفيد شيلد وجود 1200 فصيل مسلح على الأراضي السورية، بانتماءات سياسية وإيديولوجية شتى.
لكننا، في هذه الأيام الكبرى، الأيام الهائلة، نأمل بالخلاص لسوريا، أرض العروبة، لأن سقوطها في الفوضى قد ينعكس على المنطقة بأسرها، وهي الأمنية التوراتية منذ أكثر من 2000 عام.
إذا كان عام 2024 عام نتنياهو، وقد انتهى بعملية في البروستاتا، لا نتصور أنه كان عام إسرائيل، وحيث العجز الكارثي إن عن ترحيل الفلسطينيين، وهم العدو الوجودي، أو عن إزالتهم. على أرض غزة المقاومة التي أكثر من أن توصف بالأسطورية، حتى أن الفيلسوف الفرنسي آلان فينكيلكروت الذي يعتبر أن مهمة إسرائيل نقل الشرق الأوسط من حكم البرابرة إلى حكم العباقرة، أبدى خشيته على إسرائيل لأن المقاتلين الفلسطينيين "يلهبون خيال الأجيال الجديدة في أوروبا، كبديل عن الكائنات الخرافية التي ابتدعتها المخيلة الهوليوودية".
الأمر ليس بالجديد .
منذ عقود رأى الفيلسوف الفرنسي الآخر روجيه غارودي الذي دفنه الحاخامات وهو حي، أن اجتثاث الفلسطينيين من جغرافية المنطقة قد يكون ممكناً بسبب الاختلال الدراماتيكي في موازين القوى، ولكن من المستحيل إزالتهم من تاريخ المنطقة.
بالحرف الواحد "إزالتهم أو إزاحتهم أشبه ما تكون بإزالة أو بإزاحة جبال البيرينه".
رجال بقامات الجبال وبشموخ الجبال ..
في عموده في صحيفة "هآرتس" كتب الجنرال الاحتياط اسحق بريك "أن الجمهور الإسرائيليّ يتصرف كقطيع أخرس. أقدامه غارقة في المستنقع، بدعمه الحكومة ورئيسها بسوق الإسرائيليين إلى طريق مسدود"، ليصف نتنياهو بـ"باركوخبا القرن".
باركوخبا (أي ابن الكوكب باللغة العبرية) قاد ثورة اليهود ضد الأمبراطورية الرومانية عام 132 م، حتى أن عدداً من كبار الحاخامات رأوا فيه الماشيح المخلص، قبل أن يصفه المؤرخون بـ"الثور الأحمق" الذي سقط على يديه مئات آلاف اليهود.
البقية تشتت في أرجاء الأمبراطورية
تصوروا أن جنرال احتياط أمضى عقوداً في عدد من القطاعات العسكرية يقول الآن أن إسرائيل "لا تستطيع أن تهزم حركة "حماس" ولا "حزب الله"، ناهيك عن الحوثيين وعن إيران"، ليضيف "أن استمرار الحرب سيؤدي إلى هزيمتها لأنها تخسر العالم، وتخسر الاقتصاد، وتخسر جيشها الذي تحوّل إلى غبار" إلى "خسارة قوتها الوطنية والاجتماعية، ما يهدد بنشوب حرب أهلية".
بريك ليس العسكري الوحيد، ولا المعلق الوحيد الذي يبدي خشيته من أن "نشق الطريق بأظافرنا إلى الجحيم"، باعتبار "أننا نجحنا، وإلى أبعد مدى، في تأجيح النيران حتى في عظام الفلسطينيين الموتى"، لـ"نكون أمام المحرقة الكبرى ما دام المسار الكلاسيكي لمعادلات القوة لا يمكن أن يراوح مكانه".
قطعاً نتنياهو لا ينظر إلى تحولات المنطقة إلا من خلال نتنياهو. يؤاف غالانت الذي قرر اعتزال السياسة انتقد "فائض النرجسية" لدى رئيس الحكومة الإسرائيليّة، ليرى كيف أن التاريخ أعطى الأمثولة تلو الأمثولة حول مآل ذلك النوع من الرجال (والنساء).
اعتراف بأن الشرق الأوسط يتغيّر
ولكن هل بإمكان أحد أن يتكهن كيف يمكن أن يحدث التغيير، وبيد من يتغيّر؟

alafdal-news
