طارق ترشيشي - خاص الأفضل نيوز
ساعات حاسمة تفصل عن موعد جلسة الانتخاب الرئاسي المقرّة الخميس المقبل، يبدو معها التنافس على هذا الاستحقاق الدستوري تخطى النطاق الداخلي الى النطاق الإقليمي ـ الدولي ويكاد يدخل في سياسة التنافس بين المحاور، وتحديدًا بين محورين: المحور الأميركي ـ الفرنسي ـ السعودي، والمحور التركي ـ القطري، فيما المحور الإيراني يبدو مقصد المحورين الأولين فكل منهما يحاول جذبه الى جانبه للنفاذ بخياره الرئاسي.
فالمحور الأميركي ـ الفرنسي ـ الخليجي يدفع لمصلحة خيار قائد الجيش العماد جوزف عون، فيما المحور الآخر يدفع لمصلحة خيار المدير العام للأمن العام بالإنابة اللواء الياس البيسري، وأما المحور الإيراني فيقف متفرجًا بين المحورين، وتنقسم الكتل السياسية والنيابية اللبنانية حيالهما وبعضها يضرب الأخماس وبالأسداس ويدفع الى خيارات يراها لمصلحته، متناسيًا أن لعبة الاستحقاق الرئاسي خرجت من أيدي الأفرقاء الداخليين لتستقر في أيدي الأفرقاء الخارجيين.
ولذلك، يقول معنيون بالاستحقاق الرئاسي، أن جلسة الخميس المقبل إذا لم تنتهِ بانتخاب رئيس، فإن هذا الاستحقاق سيدخل في طور جديد من التأخير لا يعرف مداه، خصوصًا إذا ما عرفنا أن بعض القوى السياسية الداخلية لا يضيرها هذا الأمر وتراهن على حصول مزيد من المتغيرات الإقليمية بعد سقوط النظام السوري وتطمح الى النفاذ بخيار يكون "رئيس القرن" في إطار "صفقة القرن" التي سيستأنفها الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب بعد تسلمه مقاليد الرئاسة الأميركية رسميا في 20 من الشهر الجاري، وهذه الصفقة هي ضمن "الشرق الأوسط الجديد" الذي تعمل إسرائيل وخلفها الولايات المتحدة الأميركية والغرب عمومًا على رسم حدوده الجغرافية بالنار والديبلوماسية في آن معاً. فيما رئيس مجلس النواب نبيه بري ومعه كتل كثيرة على يكون الرئيس الجديد رئيس لبنان بإرادة وصناعة لبنانية وليس مفروضا من الخارج.
فإسرائيل، يضيف هؤلاء المعنيون بالاستحقاق الرئاسي، تحاول في انتهاكاتها اليومية لوقف إطلاق النار التأثير في الخيارات المطروحة في شأنه متناغمة في شكل أو آخر مع أحد المحورين المتنافسين عليه، وكأنها تريد أن تقول للجميع أنها لن تنسحب من المنطقة الجنوبية ولن تلتزم تنفيذ القرار الدولي 1701 إذا لم يُنتخب "إكس" من المرشحين الذي في اعتقادها أنه مناسب لتوجهاتها المستقبلية تجاه لبنان. ومع أنه لا يمكن تصنيف أي مرشح من المرشحين بأنه يصب في المصلحة الإسرائيلية فإن مجرد التصرف الإسرائيلي والضغط على لبنان عبر الاستمرار في خرق وقف النار والتهديد بعدم الانسحاب وبالتوعد لحزب الله بالويل والثبور وعظائم الأمور، من شأنه أن يدفع الى فتنة داخلية لبنانية لا تبقي ولا تذر، موحية وكأن التنافس في الاستحقاق الرئاسي هو تنافس بين مرشح يواليها وآخر يعاديها، فيما الحقيقة هي في مكان آخر حيث أن أي من المرشحين لا يمكن أن يكون مواليًا لتل أبيب مهما اشتد التنافس المحلي والدولي على هذا الاستحقاق.
ويعتقد المعنيون أن مصير جلسة الخميس الرئاسية سيكون مؤشرًا الى مآلات مستقبل الوضع اللبناني، فإذا انعقدت في موعدها أو أرجئت لأيام معدودات (أي قبل دخول ترامب الى البيت الأبيض في 20 من الجاري) ثم انعقدت وأنتجت رئيسا ينطلق لبنان الى الانفراج "ويا دار ما دخلك شر" أما إذا فشلت أو لم تنعقد "من أصله" فعلينا أن نتوقع تصاعد التوتر الداخلي مصحوبًا بخلافات ستستحكم بين المحورين الإقليميين ـ الدوليين اللذين يتجاذبان الاستحقاق حول لبنان، وكذلك حول مستقبل سوريا الجديدة التي يتجاذبانها أيضا، حيث أن كل منهما يدفع الى قيام نظام فيها يخدم مصلحته ودوره في الإقليم في الوقت الذي تتزايد المخاوف من دخول سوريا في حروب أهلية تغذيها المصالح الإقليمية والدولية المتنافسة على تقاسم "الكعكة السورية" بعد أن سقط النظام قبل أسابيع، ويخشى كثيرون من انعكاسها سلباً على لبنان خصوصا، وعلى دول الجوار السوري العربية عمومًا.
لكن المتفائلين باحتمال أن تكون الجلسة ناجزة يستندون الى الحضور الديبلوماسي العربي والأجنبي الذي ستشهده حيث أن الدعوات إليه شملت مروحة واسعة من سفراء وممثلي الدول العربية والأجنبية والموفدين العاملين على خط الاستحقاق وفي مقدمهم سفراء دول المجموعة الخماسية والموفدين الرئاسيين الأميركي آموس هوكشتاين والفرنسي جان إيف لودريان، اذ لا يعقل أن توجه الدعوات بهذا المستوى والحجم ما لم يكن هناك إصرارا لدى المعنيين على أن تكون الجلسة ناجزة.
ومن الواضح الى الآن أن الأسماء المرشحة التي ستكون محط الاهتمام والتي يفترض أن يقع الخيار على أحدها توافقا أو بالتنافس هي: رئيس تيار "المردة" سليمان فرنجية وقائد الجيش العماد جوزف عون والمدير العام للأمن العام بالإنابة اللواء الياس البيسري والوزير السابق جهاد أزعور، وربما ظهر بعض الأسماء الأُخرى في اللحظات الحاسمة التي يمكن أن تكون ذات مقبولية في إطار "خطة B" لدى هذا الطرف أو ذاك إذا تعذر نفاذ أي من الأسماء الأربعة الاولى.
على أي حال ففي ربع الساعة الأخيرة التي تسبق موعد الجلسة ينتظر أن تظهر نتائج الحراك الأميركي الذي يقوم به هوكشتاين والحراك السعودي الذي يقوم به الأمير يزيد بن فرحان، وكذلك الحراك القطري، وفي ضوء ذلك سيكون للبنان رئيس تزكيه الإرادات الخارجية ولا تفرضه، أو يمضي الفراغ الرئاسي إلى فصل جديد.

alafdal-news
