د. أكرم حمدان - خاصّ الأفضل نيوز
من المعروف أو المسلم به أن بعض المحطات المفصلية عبر التاريخ تترك أثراً كبيراً وارتدادات مهمة، نظراً لتأثيرها في مجريات الأحداث والمتغيرات التي تتركها على المجتمعات، سلباً او إيجاباً، وبطبيعة الحال فإن لبنان لا يخرج عن هذه القاعدة، إلا أن النكهة اللبنانية تبقى مختلفة ولها طابعها الذي قد يُعطي الأمور أكبر من حجمها أحياناً.
فمنذ أيام والكل في حالة استنفار على مختلف المستويات، على خلفية موعد جلسة مجلس الوزراء الأخيرة في الخامس من أيلول الحالي، نظراً لما كانت تحمله من احتمالات واهتمام دولي وعربي ومحلي وشعبي، على قاعدة أن نتائج هذه الجلسة سترسم مستقبل لبنان السياسي المقبل لجهة حصول تسوية أم انفجار أم استمرار الستاتيكو حتى الانتخابات النيابية المقبلة المقررة في أيار 2026، إذا حصلت.
إلا أن نتائج الجلسة وبمختلف القراءات ورغم كل ما واكبها من محاولات توتير للأجواء، كانت في مفرداتها ومقرراتها وما بين السطور توحي بأن 5 أيلول قد ألغى مفاعيل ألغام 5 آب، لجهة تجميد الورقة الأميركية وربط تنفيذها بالموافقة الإسرائيلية السورية، وموقف رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون الذي ربطها بوقف الاعتداءات والاغتيالات وعودة الأسرى ما يعني العودة إلى خطاب القسم، والترحيب بقرارات مجلس الوزراء والثناء على رئيس الجمهورية وقائد الجيش من قبل الثنائي، وارتياحه لما ورد من قرارات لجهة النقاش في خطة وطنية استراتيجية لحماية الوطن من الاعتداءات الإسرائيلية.
كذلك فإن خطة الجيش التي رحب بها مجلس الوزراء، لا تتضمن مهلة زمنية كان حددها مجلس الوزراء في قرارات جلسة 5 آب، وهي حتى نهاية هذا العام، وفي المعلومات، أن قائد الجيش عرض خطة الجيش معززة بالأرقام والإحصاءات، مع الحرص على السلم الأهلي وعدم إراقة أي نقطة دماء، متحدثًا عن مراحل الخطة المتتالية، كما طرح حاجات الجيش من كل النواحي شارحًا ما قام به في الجنوب لجهة تنفيذ حصرية السلاح، مؤكدًا أن الجيش سينفذ الخطة وفق الإمكانيات، وطرح هيكل المعوقات أمام التنفيذ التي تتمثل أولاً بالاحتلال الإسرائيلي والاعتداءات اليومية على لبنان، مؤكدًا أن إسرائيل هي المعرقل لانتشار الجيش في الجنوب وعودة الدولة.
وهكذا فقد مر قطوع السلاح، وباتت الأنظار تتجه نحو الارتدادات الخارجية الإقليمية والدولية لما قرّرته الحكومة، وتحديداً الموقف الأميركي الذي يؤكّد على التسريع في سحب السلاح.
تبقى الإشارة إلى الانتقائية التي يتحلى بها البعض في تناول ما ورد في اتفاق الطائف كونه المرجعية الدستورية والسياسية التي يستند إليها الجميع في كل طرح، وخصوصاً حول بند حصرية السلاح بيد الدولة، فيما هناك الكثير من البنود التي لا تقلّ أهمية وتشكّل الركائز الأساسية لإعادة تكوين الدولة.
وللتذكير فإن الطائف نصّ على جملة إصلاحات جوهرية، أبرزها:
- إلغاء الطائفية السياسية بوصفها هدفاً وطنياً، ووضع خطة مرحلية لذلك.
- إنشاء مجلس شيوخ تتمثّل فيه الطوائف في القضايا المصيرية، بما يتيح لمجلس النواب أن يتحرر من القيد الطائفي.
- إقرار قانون انتخاب خارج القيد الطائفي.
- ضمان المساواة وتكافؤ الفرص بين جميع المواطنين.
- حصرية السلاح بيد الدولة، كجزء من استراتيجية الدفاع وبناء مؤسسات الدولة.
في المحصلة، جاءت خطة الجيش، من دون مهل زمنية، ما يعني أن مفاعيل جلسة 5 أيلول قد جمدت بالحد الأدنى، إذا لم نقل نسفت، مقررات جلسة 5 آب، حيث تضمنت خارطة طريق لضبط السلاح وحصره بيد الدولة، لكن بشروط: وقف الاعتداءات الإسرائيلية، توفير الدعم اللوجستي والتقني والبشري، دعم دولي وسياسي متوازن، تعاون داخلي يُراعي التوازنات الطائفية والأمنية.
وهكذا يُمكن القول بأن هذه الشروط تجعل من الخطة قابلة للتنفيذ نظرياً، لكنها معلّقة عملياً على التزام الطرف الإسرائيلي وموقف واشنطن.
كذلك فإن التفاصيل والمراحل، تُظهر حجم التحديات لجهة النقص في العديد، الضعف اللوجستي والتقني، الحاجة لمساعدات مالية وهندسية، وصعوبات أمنية في مناطق حسّاسة مثل المخيمات الفلسطينية، الحدود الشرقية، وغيرها من الأماكن.
وبهذه النتيجة تكون الحكومة قد كسبت الوقت بانتظار متغيّرات إقليمية أو تفاهمات دولية، ورفعت الضغط الأميركي عنها، وجنّبت البلاد صداماً داخلياً لا قدرة لها على تحمّله، وحافظت على الغموض البنّاء في علاقتها مع حزب الله، وتُصبح خطة الجيش كبنود إتفاق الطائف يجري السؤال عنها والمطالبة بتنفيذها عندما تتوفر شروطها.

alafdal-news
