نوال أبو حيدر - خاصّ الأفضل نيوز
في ظل استمرار الأزمة الاقتصادية الحادة التي يعاني منها لبنان، لم تسلم خدمات الاتصالات والإنترنت من تداعيات هذا الانهيار الشامل، سواء على مستوى جودة الخدمة أو من حيث الكلفة المالية المتزايدة. ومؤخراً، أعلنت شركة "ألفا" عن تحديثات جديدة طالت عروض الإنترنت المخصصة لكل من الخطوط الثابتة والمسبقة الدفع، تضمنت تغييرات في الحجم الشهري للباقات مصحوبة بما وصفته وزارة الاتصالات بـ"تعديلات طفيفة" في الأسعار.
وعلى الرغم من أن الوزارة أكدت أن الغاية من هذه التعديلات هي مواكبة التطور في سلوكيات الاستهلاك وتخفيف الحاجة لتكرار تجديد الباقات خلال الشهر، إلا أن الواقع العملي أظهر زيادة فعلية في التكلفة الشهرية التي يتحملها المواطن، ما أثار موجة من الانتقادات والاستفهامات بين المستخدمين.
هذا الواقع أعاد إلى الواجهة ملف تطوير شبكة الاتصالات، وهو الملف الذي لطالما رُوّج له بوعود كثيرة لم تجد طريقها إلى التنفيذ الجدي.
ولا يمكن إنكار أن هذه الخطوة تعكس من حيث الشكل نية واضحة من قبل وزارة الاتصالات لتحديث الخدمات ومجاراة متطلبات المستخدمين، غير أن نجاح هذه المساعي سيبقى مرهوناً بنتائجها العملية وردود فعل المشتركين، خاصة على صعيدي الجودة والكلفة.
ويبقى التساؤل الجوهري الذي يفرض نفسه: هل هذه الخطوة ستخفف فعلياً الأعباء عن المشتركين، أم أنها تعديل صوري لا يلبي التطلعات الحقيقية للمواطنين؟
إعادة هيكلة العروض بناءً على أنماط الاستخدام
في هذا السياق، تفيد مصادر من شركة "ألفا" لموقع "الأفضل نيوز" بأن "إعادة هيكلة باقات الإنترنت جاءت بعد دراسة تحليلية لأنماط الاستخدام الفعلية للمشتركين وسلوكياتهم على الشبكة. وقد نتج عن هذا التحليل أن المشترك أصبح يدفع أقل مقابل كل جيغابايت، إذ انخفض السعر بنسبة وصلت إلى 50% في بعض الباقات".
وتوضح المصادر أن "الهدف من هذه المقاربة هو تمكين المشترك من الاكتفاء بباقة واحدة شهرياً دون الحاجة المتكررة لتجديدها، وأن الشركة حالياً بصدد تقييم ردود فعل المستخدمين ومدى تفاعلهم مع الباقات المستحدثة، مشيرةً إلى أن تقييم التأثيرات الفعلية يتطلب وقتاً أطول، لا سيما أن الباقات الجديدة لم يمضِ على طرحها سوى أسبوعين فقط".
باقات محسّنة: المزيد من البيانات بسعر أقل؟
وفي ما يخص التفاصيل التقنية، تشرح المصادر أن "إحدى أبرز الباقات الجديدة لمشتركي الخطوط الثابتة هي باقة 25 جيغابايت بسعر 14.5 دولارًا، والتي تُعد بديلاً فعّالاً لمشتركي باقة 10 جيغابايت السابقة التي كانت تُقدّم بسعر 11 دولارًا.
وتُظهر المقارنة أن الجيغابايت أصبح أرخص بنسبة 47%، إذ يحصل المستخدم على 15 جيغابايت إضافية مقابل زيادة طفيفة نسبتها 3.5 دولارات فقط، ما يجعل العرض أكثر تنافسية.
أما بالنسبة لمشتركي الخطوط المسبقة الدفع، تتابع: "فقد تم إطلاق باقة جديدة بسعة 22 جيغابايت أيضاً بسعر 14.5 دولاراً، تُتيح للمستخدمين الحصول على 12 جيغابايت إضافية مقارنةً بباقة الـ10 جيغابايت التي كان سعرها 11 دولاراً، مع انخفاض بنسبة 40% في كلفة الجيغابايت الواحد. وتشير المصادر إلى أن هذه الباقات تمثّل المرحلة الأولى من الاستراتيجية الجديدة لعروض الإنترنت، والتي تهدف إلى تقديم كمية بيانات أكبر وقيمة مضافة أوفر، على أن يتم الكشف عن باقات إضافية قريباً ضمن الخطة نفسها".
جودة الخدمة: بين الشكاوى والعوائق الميدانية
وفي ظل الحديث عن التعديلات، تؤكد المصادر نفسها أن "الشكاوى المتعلقة بجودة الإنترنت تتم متابعتها بشكل دوري، وأن أغلب هذه المشاكل لا تعود إلى أسباب تقنية داخلية، بل إلى عوامل خارجية مثل السرقات أو الخلافات مع أصحاب الأراضي حيث توجد محطات الإرسال. وتصف هذه العقبات بأنها "لوجستية" بطبيعتها، أي لا تتصل بالبنية التقنية مباشرة، مشددة على أن فِرَق الشركة تعمل بجد لمعالجة أي إشكاليات تظهر ميدانيًا بهدف ضمان استمرارية الخدمة".
خطة تحديث تدريجي... والانطلاقة في 2025
في ما يخص الرؤية المستقبلية، تشير مصادر "ألفا" إلى أن "الشركة أعلنت، التزاماً منها بالشفافية، عن خطة تطوير تمتد حتى عام 2025، تتضمن إدخال محطات إرسال جديدة إلى الخدمة، إلى جانب تعزيز سرعة الإنترنت عبر تحديث المحطات القائمة باستخدام تقنيات متطورة. وتشمل الخطة أيضاً التوقّف الكامل عن استخدام شبكة الجيل الثاني بنهاية العام الحالي، الأمر الذي سيسمح بإعادة توظيف الموارد والاستفادة القصوى من شبكات الجيل الرابع عبر توسيعها وزيادة سعتها"، مؤكدةً أنه "رغم التوقف القسري عن تنفيذ استثمارات كبرى منذ عام 2019 بسبب الظروف الاقتصادية، فإن الشركة نجحت في الحفاظ على استمرارية الخدمة، معتبرةً أن عام 2025 سيشكّل نقطة انطلاق جديدة نحو تحسين شامل في البنية التحتية والتقنيات المعتمدة".
الاستثمارات... والتحديات المستمرة
وفيما يتعلق بمصير الاستثمارات المخصصة لتطوير شبكة الاتصالات، توضح المصادر نفسها أن "القطاع يرزح منذ العام 2019 تحت وطأة شلل استثماري شبه كامل. وعلى الرغم من إعلان كل من "ألفا" و"تاتش" عن خطط لتحسين البنية التحتية تشمل توسيع المحطات وزيادة التغطية وصيانة المحطات المتضررة، إلا أن التنفيذ العملي لتلك الخطط يسير ببطء شديد، نتيجة محدودية التمويل المتوفر، ما يجعل غالبية هذه الجهود تقتصر على تحسينات ظرفية مؤقتة، دون الوصول إلى مستوى التطوير الشامل المطلوب".
في نهاية المطاف، ومع استمرار تباين الآراء بشأن التعديلات الأخيرة على باقات الانترنت، سواء من حيث حجم البيانات أو الكلفة، تبقى الصورة الكاملة لهذه الخطوة مرهونة بتجربة المستخدمين خلال الأسابيع المقبلة. فبين من يرى في هذه الباقات محاولة جديّة لتلبية احتياجات المستهلك وتقديم بيانات إضافية بسعر أقل، وبين من يعتبرها زيادة جديدة في النفقات في ظل موجة الغلاء المتصاعدة، يبدو أن التسرع في إصدار حكم نهائي ليس في محله.
ويبقى الخيار الأمثل هو الترقب وتقييم الأداء الفعلي للشبكة، إلى جانب مراقبة مدى قدرة المشتركين على الاكتفاء بالباقات المستحدثة من دون الحاجة لتجديدها المتكرر. وبهذا، فقط يمكن الحكم بشكل منصف ما إذا كانت هذه التعديلات تمثّل نقطة تحوّل حقيقية نحو تطوير قطاع الاتصالات في لبنان، أم أنها ليست سوى خطوة تجميلية لم تغير في جوهر المشكلة.

alafdal-news
