نوال أبو حيدر - خاصّ الأفضل نيوز
في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها لبنان، برزت الحاجة الملحّة إلى إصلاح منظومة الحماية الاجتماعية وتحديثها بما يواكب متطلبات المرحلة المقبلة. ومن هذا المنطلق، أطلق الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، بدعم من منظمة العمل الدولية مشروعاً متقدماً لرقمنة التصاريح الاسمية السنوية، بما يشمل إنشاء قاعدة بيانات إلكترونية دقيقة لكل مضمون.
يشكل هذا الإنجاز خطوة استراتيجية نحو تحويل إدارة الضمان الاجتماعي إلى منظومة رقمية حديثة تضمن الشفافية، وتُحسن الكفاءة، وتُسهّل الوصول إلى الخدمات. كما يكتسب أهمية مضاعفة لارتباطه الوثيق بعملية إطلاق نظام التقاعد الجديد الذي أُقرّ بموجب القانون رقم 319/2023، والذي من شأنه أن يؤمّن حماية مستدامة لحقوق العاملين.
إن مشروع الرقمنة لا يقتصر على كونه تحديثاً تقنياً، بل يمثل تحولاً في فلسفة إدارة الضمان الاجتماعي، حيث يعتمد على البيانات الموثوقة لصنع السياسات، ويعزز الثقة بين المواطن والمؤسسة العامة، ويمهد الطريق نحو نظام حماية اجتماعية أكثر عدلاً وفاعلية في لبنان.
وعلى الرغم من أهمية مشروع رقمنة سجلات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في تعزيز الشفافية وتحسين إدارة البيانات، تبرز تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة هذا التحول الرقمي على إحداث إصلاح حقيقي ومستدام في منظومة الحماية الاجتماعية في لبنان. فهل تشكل الرقمنة مدخلاً فعلياً لتطوير الإدارة وتحسين الخدمات وضمان حقوق المضمونين، أم إنها تبقى خطوة تقنية محدودة الأثر؟
رقمنة الضمان... خطوة نحو الإصلاح
من هذا المنطلق، يقول المدير العام للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، محمد كركي، لـ"الأفضل نيوز"، "إن رقمنة سجلات الضمان تشكل خطوة تنفيذية مباشرة نحو إصلاح أوسع، لأنها تضع أساساً لنظام تقاعد شفاف ومستدام يحفظ حقوق جميع المساهمين. كما تلعب دوراً حيويا في الحفاظ على قاعدة بيانات موثوقة ومحدّثة، وهو أمر ضروري لعملية صنع السياسات القائمة على الأدلة".
ويتابع: "تُمكّن الرقمنة من إجراء تحليلات تقنية لاتخاذ قرارات مستنيرة، خصوصاً في معالجة تحدي تعويض نهاية الخدمة، وتسهيل الإطلاق السلس لنظام التقاعد الجديد. كما تضمن تسجيل جميع الاستحقاقات المتراكمة بدقة، وبالتالي حماية حقوق المساهمين وضمان انتقالها السلس إلى نظام التقاعد الجديد. إذ إن كل ذلك يعزز شفافية ونزاهة واستدامة نظام الحماية الاجتماعية في لبنان، وأخيراً يدعم الحوكمة ويضمن تفعيل قانون التقاعد والحماية الاجتماعية بشكل مستدام".
رقمنة الضمان وحماية البيانات
من هذا المنطلق، يؤكد كركي، أن "الصندوق تعاقد مع شركة متخصصة لإدخال البيانات بهدف رقمنة نحو 850,000 سجل فردي من التصاريح السنوية الاسمية للفترة الممتدة بين عام 2021 وعام 2024".
ويضيف: "في مرحلة لاحقة، خضعت هذه السجلات الرقمية لعملية تدقيق دقيقة لضمان صحتها واكتمالها قبل دمجها في قاعدة البيانات المركزية للصندوق. وتم تنفيذ كل هذه العمليات تحت إشراف ومراقبة خبراء الصندوق المتخصصين في مجال المكننة، لضمان حماية المعلومات الشخصية والحفاظ على أمنها وفق أعلى المعايير".
تحديات نظام التقاعد الجديد
في هذا السياق، يرى كركي، أن "أهم التحديات المؤسسية تتعلق بتأمين البنية التحتية اللازمة، لا سيما في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، حيث ستتم عمليات الانتساب والتسجيل والدفع عن بُعد للراغبين بذلك".
كما يشدد على "ضرورة اختيار لجنة الاستثمار والمدير التنفيذي للاستثمار بعناية، إضافة إلى توفير كادر بشري متخصص في إدارة واستثمار أموال الصندوق لضمان استدامة النظام الجديد وكفاءته المالية".
استدامة الضمان الاجتماعي
في ختام حديثه، يوضح كركي أن "استمرارية الدعم تتجسد في الشراكة التقنية مع منظمة العمل الدولية لمواكبة تنفيذ مشروع تعزيز الضمان الاجتماعي. ويؤكد أن الصندوق يرحب بكافة المؤسسات الدولية الراغبة في تقديم المساعدة".
إذ يعتبر أن "هذه الشراكة تهدف إلى تطوير القدرات المؤسسية وتوفير أساس عملي لاستدامة النموذج بعد انتهاء التمويل الخارجي، من خلال تراكم الخبرات وبناء الأنظمة. كما تضمن هذه الاستمرارية في الدعم تقوية قدرات الصندوق، الحفاظ على قاعدة بيانات محدثة، ودعم اتخاذ القرار المبني على الأدلة، ما يسهم في ترسيخ نموذج مستدام يتجاوز مرحلة التمويل الخارجي".

alafdal-news
