كمال ذبيان - خاصّ الأفضل نيوز
لا يمضي وقتٌ قصيرٌ إلّا ويخرج الموفد الأميركي إلى لبنان توم براك بتحذيراتٍ وتهديداتٍ وتوصيفاتٍ للبلد الذي هو مسقطُ رأسه، فيقف ضدَّه بدلًا من أن يقف معه. فيُعلِنُ مرّةً أنّه تمّ سلخُه عن سوريا باتفاقيّة سايكس بيكو، أو أنّه دولةٌ فاشلةٌ كما قال مؤخرًا، أو يُحدّد مواعيد على لبنان أن يلتزم بها لنزع سلاح "حزب الله"، وينقل من إسرائيل تهديداتٍ بعملٍ عسكريٍّ وحربٍ واسعةٍ إذا لم تُنهِ الحكومةُ اللبنانيّةُ وجودَ "حزب الله" العسكري، ولا يُمانع أن يبقى حزبًا سياسيًّا.
واعتبارُ براك لبنانَ دولةً فاشلةً ليس بسبب نظامه السياسيّ الطائفيّ، ولا بسبب ممارسات الطبقة السياسيّة وارتكاباتها في الفساد والمحاصصة، بل لأنّها لم تمكّن الجيش من نزع سلاح "حزب الله" الذي عديدُه أكثرُ من عديد الجيش، والفردُ فيه يتقاضى راتبًا يفوق راتبَ العسكريّ بعشرات الأضعاف وأكثر.
الدولةُ الفاشلةُ في نظر براك هي التي لم تأمر جيشَها وتسلّحه ضدّ "حزب الله"، لا لمحاربة إسرائيل كما قال في إحدى تصريحاته المتكرّرة والمتناقضة. يُحيِّرُ من يريد أن يحصل منه على موقفٍ ثابتٍ؛ وقد يكون هذا أسلوبَه الذي يستخدمه سياسيّون في لبنان، فيه شيءٌ من أصله اللبنانيّ، لكنّه في الواقع ابنُ المؤسّسة الأميركيّة التي تريد "أمن إسرائيل" فوق كلّ "أمنٍ آخر".
من هنا، فإنّ الموفدين إلى لبنان يأتون إليه لتفعيل مشاريع ومصالح بلادهم، وهو ما ينطبق على كلّ الدول التي يعلن المسؤولون فيها أنّهم يأتون إلى لبنان لمساعدته. وبعضهم فعل ذلك، ولا يمكن إنكار الحقائق والوقائع، كمثل ما فعلته السعوديّة باستضافتها النوابَ اللبنانيّين في أيلول 1989، فخرجوا باتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهليّة وأرسى إصلاحاتٍ للنظام السياسيّ الذي كان من أسباب الحرب، وهو المبنيّ على صيغةٍ طائفيّة.
وفي آخر ما أعلنه الموفد الأميركي براك، تحديدُ مُهَلٍ زمنيّةٍ للبنان بإنهاء وجود سلاح "حزب الله" نهايةَ تشرين الثاني الحالي، أي فتيلةً منه، وهو اليومُ الذي يزور فيه البابا لبنانَ لمدّة ثلاثة أيّام، وهذا تاريخٌ لم يُدرِكه براك أو لم يعلمه، ويريد تعطيلَ الزيارة التي بدأ يتردّد أنّها قد تُرجأ.
وسبق لـ "براك" أن حدّد أمام الحكومة اللبنانيّة موعدًا نهايةَ آب الماضي ليكون موضوعُ السلاح غير الشرعيّ قد انتهى، فاجتمعت الحكومةُ برئاسة نواف سلام وحضور رئيس الجمهوريّة جوزيف عون يومَي 5 و7 آب الماضيَّين، واتّخذت قرارًا بحصريّة السلاح بيد الدولة، وطلبت من الجيش وضعَ خطّةٍ تنفيذيّةٍ، ففعل وأخذ موافقةَ الحكومة في 5 أيلول، وهو ينفّذ نزعَ السلاح جنوبَ الليطاني ونجح وفق تأكيد اللجنة العسكريّة الخماسيّة للإشراف على اتفاق وقف إطلاق النار والقوّات الدوليّة. وهذا ما لم تطمئن له إسرائيل التي استمرّت في اعتداءاتها وأعلنت أنّها ستقوم بعمليّةٍ عسكريّةٍ واسعةٍ لاجتثاث "حزب الله" وسلاحه، وتمكّنت من اغتيال عددٍ من قياداته وعناصره.
إنّها مُهَلُ براك التي تفتح الطريق أمام إسرائيل لتواصل اعتداءاتها.

alafdal-news
