ميرنا صابر - خاصّ الأفضل نيوز
لم يكن الانتقال من تعويض نهاية الخدمة إلى نظام المعاش التقاعدي مجرّد تعديل إداري في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، بل خطوة تُشبه إعادة هندسة للبنية الاجتماعيّة - الاقتصادية في بلد يعيش إحدى أكثر مراحل عدم الاستقرار المالي في تاريخه الحديث.
وبعد أكثر من عشرين عامًا من النقاشات والمشاريع والمسودات، باتت ملامح النظام الجديد واضحة للمرة الأولى وفق خارطة طريق حددها الضمان، تقوم على إنهاء المراسيم التطبيقيّة خلال العام 2026، تمهيدًا لبدء العمل بالمعاشات التقاعدية فعليًا في مطلع العام 2027.
في الأسابيع الماضيّة، خرج المدير العام للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي محمد كركي بموقف حاسم يعلن فيه أنّ العمل على هذا التحوّل ليس مجرد نوايا سياسيّة أو تقنيّة، بل مسار تنفيذي يجري بناؤه حجراً فوق حجر. فمنذ إقرار قانون المعاش التقاعدي عام 2023، دخل الضمان في عمليّة هي الأكبر من نوعها في تاريخه: رقمنة 850 ألف سجل فردي تشمل التصاريح الاسميّة السنويّة للسنوات الأخيرة أي من العام 2021 وصولا إلى العام 2024، بالتعاون مع منظمة العمل الدوليّة وتمويل بريطاني، ما أتاح ولأول مرة إنشاء قاعدة بيانات دقيقة تُعدّ أساس النظام الجديد. هذه الرقمنة ليست تفصيلاً تقنيًا، بل خطوة محورية تسمح بإجراء دراسة اكتوارية تحدد كيفيّة الانتقال، كلفة تصفيّة التعويضات، نسب الاشتراكات المتوقعة، وإمكانات التمويل على المدى البعيد.
وبحسب كركي، فإنّ هذا التحوّل يحتاج إلى 13 مرسومًا تطبيقيًا، يجري العمل على إنجازها بالتتابع، بما يضمن أن يدخل النظام مرحلة التشغيل التدريجي في بداية 2027. في هذه المرحلة سيكون على الضمان إدارة نظامين بالتوازي لمدة تقارب 15 عامًا: نظام التعويض القديم ونظام المعاش الجديد. وهذا التوازي ليس خيارًا سياسيًا فقط، بل ضرورة لضمان حماية حقوق المضمونين وتقليل الارتباك المالي عند الانتقال بين النظامين.
يُحدّد القانون كيفيّة إدماج المشتركين عبر معادلة تُعدّ حساسة من ناحية العدالة العمرية، فالمضمونون تحت سن 49 عامًا سينتقلون تلقائيًا إلى نظام التقاعد الجديد، في حين يُترك الخيار للذين تتراوح أعمارهم بين 49 و64 عامًا بين البقاء على تعويض نهاية الخدمة أو الانتقال إلى نظام المعاش. أما من هم فوق هذا العمر فيبقون ضمن النظام القديم كاملًا. وتقوم عملية الانتقال على تحويل رصيد بطاقة كل مضمون وهي البطاقة الإفرادية التي تسجّل سنوات الخدمة، الاشتراكات المدفوعة، والفوائد المستحقة إلى النظام الجديد بعد احتساب قيمة التعويض وتصفيّة الحقوق، ثم تُحتسب المنافع التقاعدية على أساسها.
أما كيفيّة تكوين المعاش التقاعدي نفسه فتقوم على معادلة واضحة: 1.33% عن كل سنة خدمة. أي أن مضمونًا عمل 30 عامًا سيحصل على معاش يعادل نحو 40% من متوسط راتبه المعتمد في السنوات الأخيرة.
ويُشير كركي إلى أنّ هذه الصيغة تمنح المضمون ما يقارب ثلاثة أضعاف القيمة الفعليّة لتعويض نهاية الخدمة التقليدي عند احتساب مردود السنوات التقاعدية، ما يجعل النظام الجديد، نظريًا، أكثر قدرة على توفير استقرار مادي واجتماعي بعد سنّ العمل ، والأهم أنّ القانون الجديد لا يميّز بين الرجل والمرأة، إذ اعتمد مصطلح "شريك" بدل "زوج/زوجة"، ما يعني أنّ المعاش ينتقل إلى الشريك والأولاد بعد وفاة المضمون، سواء كان المضمون رجلاً أو امرأة.
لكن خلف هذه الأرقام يختبئ سؤال جوهري حول قدرة الدولة والضمان على تمويل هذا الانتقال الطويل والمعقد، فالضمان سيظلّ لسنوات يدفع تعويضات نهاية الخدمة للمضمونين القدامى، فيما يكوّن في الوقت نفسه صناديق المعاشات للمضمونين الجدد، وهذا العبء المزدوج قد يتحوّل إلى تحدٍّ مالي كبير إذا لم تُستكمل عملية إصلاح الحوكمة، وتعزيز التحصيل، ووقف التهرّب من التصريح الحقيقي للأجور، وهي مشكلات مزمنة لطالما نخرت فرع نهاية الخدمة، كما أنّ حماية القيمة الشرائية للمعاشات ستكون التحدّي الأكبر في بيئة اقتصادية لا تزال عرضة للتقلبات والتضخم وتذبذب سعر الصرف.
رغم ذلك، يبدو أنّ إدارة الضمان ترى في النظام الجديد فرصة لإعادة بناء شبكة الأمان الاجتماعي في لبنان، خصوصًا مع اعتماد الضمان الصحي مدى الحياة الذي بات يشمل نحو 30 ألف شخص فوق سن 64.
ويؤكد كركي أنّ بناء نظام معاش تقاعدي فعّال سيشكّل، إلى جانب التأمين الصحي الدائم، نقلة اجتماعية حقيقيّة ربما تكون الأولى من نوعها في العقود الأخيرة.
في المحصّلة، يقف لبنان أمام إصلاح تاريخي قد يعيد تعريف علاقة العامل بدولته وبشيخوخته. لكن نجاح هذا التحوّل يبقى مرهونًا بقدرة الضمان على إنجاز المراسيم، استكمال الرقمنة، تأمين التمويل، وحماية القيمة الحقيقيّة للمعاش. بين نظام قديم تآكل بفعل التضخم، ونظام جديد يعد بالأمان والاستدامة، يمضي لبنان في مسار لا يحتمل الفشل… لأنّ المستفيد الأخير ليس المضمون وحده، بل المجتمع بأكمله.

alafdal-news
