ميرنا صابر – خاصّ الأفضل نيوز
لم يكن اللبنانيون ينتظرون هذه "الشتوة" بهذا القدر من الخيبة. فبعد أسابيع طويلة من طقس خريفي دافئ وغير مألوف، ضرب البلاد أوّل منخفض جوي حقيقي، لكنه جاء سريعاً، بارداً، عابراً، ثم اختفى وكأنه لم يكن. وانتهت الموجة بكمية أمطار لا تُشبه عادة عتبة دخول موسم الشتاء، ولا تشكّل أي بداية جديّة لثلوج كانت تُنعش القرى الجبليّة وتطلق الحياة في مواسم التزلج والمطاعم والاستراحات الموسميّة. ومع انحسار المنخفض، عاد الطقس إلى حرارة أعلى من معدلاتها، لتتكرّس صورة "الشتاء الخجول" الذي يضرب لبنان منذ سنوات، ويقضم موسماً اقتصادياً كاملاً كان يُعوَّل عليه لإنعاش المناطق الجبليّة.
واقعياً، لا يقتصر تأثير المنخفض المتأخر على مؤشر مناخي عابر، بل يتعدّاه إلى ضرب قطاع حيوي بقيمة كبيرة للاقتصاد المحلي. فالموسم الشتوي في لبنان ليس مجرد مشهد ثلج على القمم، بل سلسلة مترابطة من أنشطة تخلق دورة اقتصادية لآلاف العائلات: من أصحاب الشاليهات والإيجارات القصيرة، إلى مطاعم القرى البعيدة، مروراً بمحال تأجير الملابس والمعدات الشتوية، وصولاً إلى المنتجعات الكبيرة التي تنتظر "أول ترويقة ثلج" لفتح مسارات التزلج واستقبال الزوار.
هذا العام، بقيت هذه القطاعات في حالة "استنفار الانتظار"، لا حجوزات مكتملة، ولا استثمارات واضحة، ولا قدرة على التنبؤ بالأسابيع المقبلة، حتى أن الوافدين والسواح الذين يقصدون لبنان في هذه الفترة لاختبار "تجربة الشتاء اللبنانيّة" وجدوا موسماً ضبابياً، بلا ثلج، وبلا مؤشرات جدية لعودة الطقس البارد قريباً.
وحدهم أصحاب المرافق الجبليّة يعرفون حجم الخسارة الفعليّة التي تسبّبت بها هذه البداية المرتبكة، فاليوم الذي كان يُفترض أن يشهد ارتفاعاً في الحجوزات، بقي بلا حركة تُذكر، بعض أصحاب المنتجعات تحدثوا عن تراجع في الإشغال بأكثر من 60% مقارنة بالفترة نفسها قبل سنوات قليلة، فيما أُجِّلت فعاليات كان من المفترض أن تُطلق الموسم رسمياً.
مشاهد الثلج التي كانت تستقطب العائلات والسياح صارت "صورة مؤجلة" بانتظار منخفض جدي، فيما بعض أصحاب الاستراحات الجبليّة يشكون من مصاريف تشغيليّة تزداد يومياً من دون أي مردود يوازيها، والأسوأ أنّ "الضياع المناخي" ينعكس قلقاً لدى التجار الذين اشتروا معدات الشتاء على أساس معادلات قديمة لم تعد موجودة.
التأثير لم يقتصر على القطاع السياحي، بل انسحب على الزراعة الجبليّة التي تنتظر أولى الأمطار لتحديد موعد الغرس أو حصاد بعض المواسم ، تأخر الهطولات يعني زيادة في كلفة الريّ، ضغطاً على المحاصيل الجبليّة، وتعديل جداول الزراعة التي تعتمد على انتظام الفصول.
وحتى أن المزارعين الذين يراقبون السماء يومياً، يتحدثون عن "شتاء بلا نَفَس"، وعن مخاوف من موسم غير متوازن قد ينعكس على الإنتاج والأسعار لاحقاً، الأثر النفسي أيضاً كان حاضراً، فغياب الشتاء خلق إحساساً عاماً بأن البلاد تغرق في فصول غير مفهومة، وأن التغير المناخي لم يعد ترفاً نظرياً بل واقعاً يعيد تشكيل نمط حياة كامل.
اللافت أن ما يشهده لبنان ليس حالة منفصلة عن التحولات المناخيّة العالميّة، لكن خصوصية البلاد الجغرافية تجعل المواسم الحساسة، مثل الشتاء السياحي، أكثر هشاشة أمام أي تغيير بسيط في توقيت المنخفضات ، ومع غياب السياسات البيئية الجدية، وعدم وجود أي خطط لدعم المناطق الجبلية خلال المواسم الضعيفة، يجد اللبنانيون أنفسهم أمام سؤال أكبر من طقس يومين: ماذا لو أصبحت مواسم الشتاء القصيرة هي القاعدة الجديدة؟ وكيف سيصمد اقتصاد يعتمد في جزء منه على دورة موسمية قصيرة ومكثّفة؟
بين منخفض عابر وآخر مؤجل، تبقى الجبال تنتظر الثلج، ويبقى القطاع السياحي الجبلي معلّقاً على أمل أن يحمل كانون ما لم يحمله تشرين. أما الناس، فيراقبون الطقس كما يراقبون السياسة والاقتصاد: بتوتر، وقلق، وانتظار لما سيأتي… أو لما قد لا يأتي.

alafdal-news
