نوال أبو حيدر - خاصّ الأفضل نيوز
لم يعد الحديث عن القلق والاكتئاب في لبنان مجرد تناول لظواهر صحية منفصلة، بل أصبح تناولاً لواقع اجتماعي شامل يتفاعل فيه الاقتصادي بالاجتماعي، والضغوط اليومية بالأزمات الكبرى، ليشكّل دائرة نفسية مغلقة يعيش داخلها المواطن اللبناني. فالأزمات المتتالية لم تؤثر فقط على مستوى المعيشة، بل امتدت إلى الداخل الإنساني، حيث تراجعت القدرة على التحمل، وازدادت مشاعر الخوف وفقدان الأمان، مما جعل الصحة النفسية قضية اجتماعية ملحّة لم يعد بالإمكان تجاهلها.
إلى جانب ذلك، يلاحظ خبراء اجتماعيون أنّ غياب الدعم المؤسساتي والخدمات النفسية بأسعار مقبولة يجعل الأفراد أكثر عرضة للتوتر المزمن. ومع أنّ المبادرات الفردية والجمعيات المدنية تحاول سدّ هذا الفراغ، إلا أنّ الحاجة ما زالت كبيرة.
الأزمات اليومية وبداية الضغط النفسي
من هنا، تقول مصادر في الأوساط الإجتماعية لموقع "الأفضل نيوز" إن "المشكلة تبدأ من تفاصيل الحياة اليومية التي صارت عبئاً نفسياً بحد ذاتها. فغياب الكهرباء وارتفاع أسعار المحروقات وانقطاع الدواء ليست مجرد مشكلات خدماتية، بل محفّزات مستمرة للتوتر، لأنها تمس مباشرة حاجات الإنسان الأساسية. ومع تكرار هذه الضغوط بشكل روتيني، يتحول التوتر إلى حالة مزمنة، تضع الفرد في حالة استعداد دائم للقلق، فيفقد الشعور بالأمان النفسي".
من القلق الاقتصادي إلى التوتر الأسري
وتعتبر المصادر أن "القلق الناتج عن تدهور الوضع الاقتصادي لا يبقى محصوراً داخل الفرد، بل ينتقل تلقائياً إلى محيطه الأسري. فالأهل يعيشون تحت ضغط تأمين المتطلبات الأساسية لأبنائهم، بينما يشعر الشباب بأن مستقبلهم معلق بين انتظار الفرصة أو التفكير بالهجرة. هذه الحالة تولّد داخل الأسرة نوعاً من الاحتقان النفسي الذي تظهر تجلياته في العصبية، الانفعال، وانعدام القدرة على التواصل الهادئ".
وتتابع: "مع الوقت، تتشكل بيئة عائلية متوترة، ليست بسبب غياب الحب أو التفاهم، بل بسبب ضيق الخيارات، وارتفاع الشعور بالعجز، ما يجعل الأسرة نفسها جزءاً من الضغوط، بدل أن تكون ملاذاً من تلك الضغوط".
الشباب في قلب الأزمة النفسية
وفي سياق متصل، ترى المصادر نفسها أن "فئة الشباب تشكل الفئة الأكثر عرضة للقلق والاكتئاب، لأنهم يعيشون في مرحلة يفترض أن تكون مرحلة بناء مستقبل، بينما يواجهون واقعاً يغيب فيه الأفق.
البحث عن عمل، التفكير بالدراسة، المقارنة مع أمثالهم في الخارج، كلها عوامل تزيد شعورهم بانعدام السيطرة على حياتهم.
ومع غياب الدعم المهني والنفسي في المؤسسات التعليمية، يتحول هذا القلق إلى فكرة دائمة تلازمهم، وتؤثر على إنتاجيتهم ودوافعهم وقدرتهم على التخطيط".
التواصل الاجتماعي وتسريع الأزمات النفسية
من جهة أخرى، ترى أنه "في الوقت الذي يحتاج فيه الفرد إلى مساحة آمنة لتصريف مشاعره، تصله عبر وسائل التواصل أخبار سلبية متواصلة، وصور لأزمات جديدة، وتعليقات تضخم الإحباط الجماعي، فتصبح هذه المنصات ليس فقط وسيلة لنقل الواقع، بل مؤثراً مباشراً في تشكيل المشاعر. وهكذا، يدخل الفرد في حلقة مغلقة: ضغوط على الأرض، وجرعة إضافية من الضغوط على الشاشة".
من الضغوط إلى الاضطرابات: كيف يتحول القلق إلى اكتئاب؟
في هذا الخصوص، توضح المصادر أنه "عندما تتراكم المسببات اليومية الاقتصادية والاجتماعية وغيرها يبدأ القلق بالتحول تدريجياً إلى اكتئاب. يفقد الفرد شغفه، تقل رغبته في التواصل الاجتماعي، ويبدأ بالانسحاب. وهذا الانسحاب ليس ضعفاً، بل هو رد فعلي نفسيّ أمام حالة يشعر فيها الفرد بأنه عاجز عن التغيير. ومع غياب قنوات الدعم الرسمي أو المجتمعي، تتفاقم الأعراض لتصبح أزمة صامتة يعيشها آلاف اللبنانيين دون أن يعلنوا عنها".
في الخلاصة، إن الضغوط النفسية في لبنان ليست أزمة جانبية، بل هي نتيجة طبيعية لواقع اجتماعي واقتصادي متداخل. وما لم يُعالج هذا الواقع بجوانبه المختلفة، ستظل الأعراض تتفاقم وتنعكس على الأسرة والمجتمع والإنتاجية والاستقرار العام. لكن الانتباه إلى الصحة النفسية، والاعتراف بحجم المشكلة، وفتح باب الحوار، تشكّل جميعها خطوات ضرورية لكسر الحلقة المفرغة وبناء مجتمع قادر على مواجهة التحديات بعقلانية وصحة ووعي.

alafdal-news
