نوال أبو حيدر - خاصّ الأفضل نيوز
في أعقاب الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، برزت الهجرة الشبابية كواحدة من أبرز الظواهر الاجتماعية التي تهزّ البلاد، بعدما تحوّلت من خيار فردي إلى مسار جماعي يكاد يصبح قدراً مفروضاً على جيل كامل ؛ فالأزمات المتلاحقة الاقتصادية والمعيشية والخدماتية التي تفاقمت بعد الحرب، جعلت حلم السفر بمثابة منفذ للخلاص في ذهن معظم الشباب اللبناني، حتى أولئك الذين لم يفكروا يوماً في مغادرة وطنهم.
الحرب الأخيرة لم تترك لبنان كما كان، بل زادت من هشاشة بنيته وأثرت على الأمن المعيشي للمواطنين. الأضرار المادية والنفسية التي لحقت بالمدن والبلدات، إلى جانب استمرار الانهيار الاقتصادي منذ عام 2019، جعلت الواقع اليوم مرعباً بالنسبة للشباب الباحث عن مستقبل أفضل. فقد أصبح العديد منهم يرون في السفر فرصة للهروب من الفوضى المالية والسياسية، ومن غياب فرص العمل الملائمة، ومن تدهور الخدمات الأساسية.
لم تعد الهجرة الشبابية اليوم مجرد خيار شخصي لتحقيق طموح أو استكشاف فرص جديدة، بل تحوّلت إلى مسار جماعي يفرض نفسه كخيار شبه حتمي أمام واقع قاسٍ يحدّ من إمكانيات الشباب للبقاء وبناء مستقبل مستقر في وطنهم.
والأكثر إثارة للقلق أن هذا الواقع يهدد تركيبة المجتمع اللبناني على المدى الطويل، إذ إن مغادرة الشباب -الفئة الأكثر إنتاجية، قد تؤدي إلى تفاقم أزمات الانكماش الاقتصادي، وشح الكفاءات الوطنية، وتعميق الفجوات الاجتماعية والاقتصادية.
أزمة وطن...
من هذا المنطلق، تقول مصادر اجتماعية على دراية بالموضوع، إنه "لا يمكن فصل هجرة الشباب عن الواقع المأزوم الذي يعيشه لبنان. فارتفاع معدّلات البطالة، وانهيار القدرة الشرائية، وتراجع القطاعات الإنتاجية، عوامل دفعت خريجين جامعيين وكفاءات عالية للانضمام إلى موجة المغادرة بحثاً عن فرص لا يوفرها الوطن. وإلى جانب الاقتصاد، تلعب العوامل السياسية دوراً أساسياً، إذ يشعر الشباب أنّ بلداً تتنازعه الانقسامات وتُشلّ مؤسساته لا يمكن أن يمنحهم مستقبلاً مستقرا".
وتتابع: "يأتي تدهور الخدمات الأساسية ليعزز هذا الشعور. فالكهرباء المقطوعة، غلاء الطبابة والاستشفاء وغياب الأمن الاجتماعي، كلها تفاصيل يومية تجعل البقاء في البلاد مغامرة غير محسوبة، خصوصاً لمن ينشد الاستقرار المهني والعائلي".
الآثار الاجتماعية والنفسية
في سياق متصل، تشرح المصادر أن "تداعيات هذه الظاهرة لا تقف عند الجانب الاقتصادي، بل تتعدّاه إلى تأثيرات اجتماعية عميقة. فالعديد من العائلات تعيش اليوم حالة فراق دائم مع أبنائها، بينما يشعر كبار السن بعزلة متزايدة في ظل انشغال أبنائهم في بلاد الاغتراب. أما على مستوى المجتمع، فإن الهجرة تحرم البلاد من طاقاتها الشابة، ما يؤدي إلى تراجع المشاركة المدنية، وانخفاض مستوى الابتكار، وضعف البنية البشرية اللازمة للنهوض".
هل من أمل بالحدّ من الظاهرة؟
أمام كل تلك الوقائع، تعتبر المصادر أن "مواجهة الهجرة تتطلب معالجة عميقة لا تقتصر على الأمنيات. فالمطلوب رؤية وطنية تُعيد الثقة بالدولة عبر إصلاحات اقتصادية مجدية، وتشجيع الاستثمار، وتحسين الخدمات الأساسية. كما أنّ دعم الشباب عبر برامج تمويل للمشاريع الصغيرة، وتوفير فرص عمل فعلية، وتمكينهم من المشاركة في الحياة العامة، قد يخلق بيئة تدفعهم إلى إعادة التفكير بقرار الرحيل".
وتضيف: "إلى جانب ذلك، يحتاج المجتمع اللبناني إلى تعزيز الدعم النفسي والاجتماعي، لأنّ جزءاً كبيراً من دوافع الهجرة يرتبط بالشعور بالعجز وانعدام الأمان، وليس بالاقتصاد وحده".
وطن ينزف... ووقت للتدارك
من هنا، تختم المصادر: "الهجرة الشبابية ليست مجرّد أرقام أو إحصاءات، إنها قصص عائلات تتفرّق، وأحلام معلّقة على تذاكر سفر، ومستقبل مجتمع يفقد عناصر قوته الأساسية. ومع أن الظروف الحالية تدفع الكثيرين إلى الخارج، فإن معالجة الظاهرة ليست مستحيلة. فلبنان، بالرغم من كل أزماته، ما زال يمتلك إمكانات بشرية هائلة يمكنها إعادة بنائه إذا توافرت الظروف المناسبة".
في خلاصة الأمر، إن بقاء الشباب في الوطن ليس مسألة شخصية فحسب، بل هو قرار يتعلّق بمستقبل بلد كامل. وحين تتوفّر رؤية واضحة، وإدارة صادقة، وسياسات تستثمر في الإنسان، قد يصبح الوطن مرة جديدة مكاناً يختاره شبابه لا للرحيل عنه، بل للعودة إليه.

alafdal-news
