إلياس المرّ -خاصّ الأفضل نيوز
تدخل الحرب الروسية -الأوكرانية عامها الرابع وسط تحوّلات كبيرة في المشهدين الميداني والسياسي، وسباق واضح بين المبادرات الدبلوماسية ومحاولات فرض الوقائع على الأرض.
في هذا السياق، يكتسب إعلان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن استعداد كييف للمضي في تنفيذ اتفاق سلام مدعوم من الولايات المتحدة، والاستعداد لمناقشة «النقاط الحساسة» مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أهمية خاصة، ولا سيما أن كييف تشترط مشاركة الحلفاء الأوروبيين في أي مسار تفاوضي من هذا النوع.
ميدانيًّا، تُظهِر خرائط متابعة العمليات أنّ روسيا حققت تقدّمًا تدريجيًا لكن ثابتًا في عدد من المحاور الأساسية في الشرق والجنوب الأوكراني، أبرزها محاور بوكرُفسك – مورنوهرد في دونيتسك، ومحور ليمان – سيفيرسك، إلى جانب نشاط متجدّد على خطوط التماس جنوب مقاطعة زابوريجيا. هذه التقدّمات ليست واسعة من حيث المساحة الجغرافية، لكنها ذات قيمة عملياتية؛ فهي تتيح للقوات الروسية الضغط على طرق الإمداد الأوكرانية، وتثبيت خطوط تماس أكثر ملاءمة لها، تمهيدًا لتحسين موقعها التفاوضي.
تعتمد موسكو في هذه المرحلة على تكتيك «القضم البطيء»، عبر كثافة نارية مدفعية وصاروخية، وإسناد جوي موضعي، إلى جانب استهداف مستمر للبنى التحتية الأوكرانية، من كهرباء ومواصلات ومستودعات وقواعد لوجستية. والهدف ليس فقط كسب الأرض، بل إنهاك القدرة الأوكرانية على إدارة حرب طويلة الأمد، وإقناع العواصم الغربية بأن كلفة الاستمرار في المواجهة أعلى من كلفة الذهاب إلى تسوية بشروط روسية أفضل.
في المقابل، لا تزال أوكرانيا تمتلك عناصر قوة جوهرية تمنع حدوث اختراقات روسية سريعة أو انهيار شامل للجبهة. فالدعم العسكري الغربي – الأميركي والأوروبي – يزوّد كييف بمنظومات دفاع جوي متطورة، وذخائر دقيقة، ووسائل استطلاع واستخبارات ترفع من فعالية الضربات الأوكرانية المضادة. كما حسّنت القوات الأوكرانية أداءها في استخدام المسيّرات الهجومية والاستطلاعية، ما مكّنها من موازنة جزء من التفوق المدفعي الروسي، وشن ضربات على الخطوط الخلفية ومراكز القيادة والإمداد.
لكنّ هذه نقاط القوة لا تلغي وجود عناصر عجز بنيوية في الحالة الأوكرانية. فكييف تعاني ضغطًا متواصلًا على احتياطها البشري، مع موجات تعبئة متكررة أثارت تململاً داخليًا واضحًا. كما تواجه الحكومة تحديات مالية كبيرة لتغطية الإنفاق العسكري والرواتب والبنية التحتية المتضرّرة، في ظل اقتصاد مُستنزَف يعتمد إلى حدّ بعيد على المساعدات. إضافة إلى ذلك، تترك الهجمات الروسية على شبكات الطاقة والنقل أثرًا مباشرًا على النشاط المدني والإنتاج الحربي معًا، ما يحدّ من قدرة أوكرانيا على خوض حرب استنزاف مفتوحة زمنياً.
وسط هذا المشهد، برزت الخطة الأميركية كمنصة تفاوضية تهدف – وفق التسريبات والقراءات المتداولة – إلى إنتاج تسوية شاملة تتضمّن حوالي 28 بندًا، تتناول وقف إطلاق النار، وترتيبات أمنية، وقضايا إقليمية، وآليات ضمان وتنفيذ دولية. أخطر ما في هذه الخطة يتمحور حول ثلاثة عناوين:
1. التنازلات الإقليمية المحتملة، أي تثبيت السيطرة الروسية على أجزاء من الأراضي التي احتُلّت بعد 2014، ولا سيما بعد 2022، سواء عبر اعتراف مباشر أو عبر صيغ قانونية وسياسية ملتبسة.
2. القيود على الجيش الأوكراني، لناحية حجم القوات ونوعية التسليح، بما يحوّل أوكرانيا عمليًا إلى دولة ذات هامش عسكري محدود، يُفترض أن يطمئن روسيا ويمنع انضمام كييف إلى الناتو في المدى المنظور.
3. رفع تدريجي للعقوبات عن روسيا، مقابل التزامها ببنود الاتفاق، مع إنشاء آلية دولية لمراقبة التنفيذ، وربما نشر قوات مراقبة أو ضامنة في بعض المناطق.
هذه البنود، وإن بدت في ظاهرها محاولة لـ«إقفال الحرب» وإعادة الاستقرار إلى أوروبا، تُفسَّر في كييف، كما في عدد من العواصم الأوروبية، على أنها تقرأ الوقائع الميدانية لصالح موسكو أكثر مما تقرأ موازين العدالة والسيادة والقانون الدولي.
من هنا ظهر التباين الواضح بين المقاربة الأميركية والمقاربة الأوروبية؛ ففي حين تميل واشنطن إلى تسوية سريعة تُخفّف الأعباء المالية والعسكرية عنها، وتسمح للإدارة الأميركية بتسجيل إنجاز سياسي داخلي تحت عنوان «إنهاء الحرب»، تبدو عواصم أوروبية أساسية أكثر تحفّظًا.
الأوروبيون يخشون أن يؤدي اتفاق يُنظر إليه كـ«مكافأة للاحتلال» إلى ضرب منظومة الردع القانونية والسياسية في القارة، وإلى فتح شهية قوى أخرى على إعادة رسم الحدود بالقوة، لذلك أعدّت دول أوروبية مسودة مقترحة موازية ترفض مبدأ التنازل الإقليمي، وتشدّد على حق أوكرانيا في الدفاع، وتطالب بتقييد أي عفو عام قد يطاول جرائم حرب موثّقة.
في الضفة الأخرى، لم تغيّر موسكو جوهر شروطها منذ المراحل الأولى للحرب. فهي تطالب بالاعتراف بسيطرتها على الأراضي التي ضمتها، وضمان حياد أوكرانيا ومنع انضمامها إلى الناتو، ووقف تزويد كييف بأسلحة هجومية بعيدة المدى، إلى جانب رفع تدريجي للعقوبات الاقتصادية الغربية.
بهذه الشروط تحاول روسيا تحويل مكاسبها الميدانية إلى مكاسب سياسية دائمة، وإعادة صياغة ميزان الأمن في أوروبا بما يحدّ من تمدد الحلف الأطلسي شرقًا.
أمام هذه اللوحة المركّبة، يجد زيلينسكي نفسه بين جبهتين: جبهة القتال المفتوحة مع روسيا، وجبهة الضغوط والتجاذبات المتصاعدة بين الحلفاء أنفسهم. إعلانه الاستعداد لمناقشة «النقاط الحساسة» مع ترامب – مع تأكيد ضرورة مشاركة الأوروبيين – يعكس إدراكًا بأن القرار لن يكون أوكرانيًا صرفًا، بل نتاج مساومة كبرى بين واشنطن وموسكو من جهة، وواشنطن وبروكسل من جهة ثانية، مع هامش تأثير محدود لكييف مقارنة بحجم تضحياتها.
في الخلاصة، تقف الحرب اليوم عند مفترق طرق واضح: ميدانيًا، تميل الكفة تدريجيًا لصالح روسيا في بعض المحاور، من دون أن يترجم ذلك حسمًا عسكريًا كاملاً. وسياسيًا، تتقدّم على الطاولة مشاريع تسوية تحمل في طياتها تنازلات قاسية تطال السيادة الأوكرانية من جهة، ونظام الأمن الأوروبي من جهة أخرى. ما لم تنجح واشنطن في التوفيق بين شروط موسكو وهواجس أوروبا وتطلعات كييف، سيبقى الاتفاق معلقًا، وستستمر الحرب كمعركة استنزاف طويلة، مع خطر توسّع إضافي للسيطرة الروسية وتآكل متزايد في قدرة أوكرانيا على الصمود من دون دعم خارجي استثنائي.

alafdal-news
