ميشال نصر -خاصّ الأفضل نيوز
في الشرق الأوسط، لا تمر الزيارات البابوية مرور الكرام. فهي ليست مجرد محطات روحية عابرة، بل رسائل مشفّرة تُقرأ على مستويات متعددة: لاهوتية، إنسانية، وسياسية.
ففيما تتهيأ بيروت لاستقبال البابا ليو الرابع عشر ، في زيارة وصفت في دوائر الفاتيكان بأنها "دعوة إلى الرجاء وسط العاصفة"، تراقب العيون في تل ابيب وترصد ما بعد الزيارة، حيث تقرأ هذه الخطوة بكثير من الحذر، على وقع تساؤلات حول توقيتها ودلالاتها ومآلاتها، خصوصا في ظلّ لحظة إقليمية يختلط فيها البعد الروحي بحسابات الجغرافيا والاستراتيجيا.
فتل أبيب، التي تراقب الساحة اللبنانية بعيون متوترة منذ أشهر، وجدت نفسها أمام استحقاق غير مألوف: زيارة بابوية إلى بلد يقف على خط التماس مع واحد من أكثر ملفاتها حساسية، وفي توقيت إقليمي مشحون بالرسائل والاصطفافات. هنا، لا يعود السؤال عمّا سيقوله البابا للبنانيين فقط، بل عمّا قد يعنيه حضوره في العاصمة اللبنانية على مستوى الشرعية، والصورة، والتوازنات المرهَقة بين الحرب والسلام.
قلق إسرائيلي لا ينبع من المشهد الديني أو البروتوكولي، بل من مساحة التأثير الرمزي والسياسي التي يحملها رأس الكنيسة الكاثوليكية حين يضع قدميه على أرض تحوّلت إلى مسرح صراع مفتوح.
فمجرد الإعلان عن نية الزيارة يكفي ليطلق في غرف القرار الإسرائيلية نقاشات حول ما إذا كانت الخطوة ستُقرأ دولياً كإشارة دعم للبنان الدولة، أو للبنان المجتمع، أو حتى للبنان المقاومة، في ظل أزمة ثقة غير مسبوقة تعيشها إسرائيل مع عدد من العواصم الغربية بعد التطورات الأخيرة.
إرباكات تزداد مع إدراك تل أبيب أنّ أي خطاب يوجّهه البابا من بيروت، مهما كان منضبطاً ومحايداً، سيحمل ثقلاً سياسياً مضاعفاً، قد يُستخدم في صياغة سرديات جديدة عن الصمود، الاستقرار، أو حتى العدالة.
فوفقا لمصدر دبلوماسي غربي، ترى تل أبيب في الزيارة المرتقبة أكثر من بادرة رعوية، فالفاتيكان، وإن كان يرفع راية الحياد الديني، إلا أنه لم يتخل يوماً عن أدواره الديبلوماسية الهادئة في نزاعات الشرق الأوسط، من فلسطين إلى العراق وسوريا، وصولاً إلى لبنان، حيث ترجمت مواقف الحاضرة البابوية إلى رسائل سياسية، ما يولد الخشية لدى بعض الأوساط الإسرائيلية من أن تتضمّن خطابات البابا المرتقبة في بيروت، إشارات مباشرة إلى مأساة الشعب الفلسطيني أو إلى ضرورة إنهاء الاحتلال، وهو ما تعتبره إسرائيل تدخّلاً غير مرغوب فيه في صلب ملفّها الأمني - السياسي.
وتشير المصادر إلى أن "تل أبيب" التي تحرص على عدم الظهور بمظهر المعارض علنا لزيارة الحبر الأعظم، إلا إنها تدير خلف الكواليس نقاشاً جديا حول تداعيات الحدث، وصلت أصداؤه إلى واشنطن، التي تردد أنها أوصلت رسالة للبابا تنصحه بتأجيل الزيارة راهنا، خصوصا أن تل أبيب لم تتعهد حتى الساعة بتعليق طلعاتها الجوية وغاراتها فوق الأراضي اللبنانية خلال وجود قداسته في لبنان، رغم كل الاتصالات الديبلوماسية التي قادتها روما والفاتيكان وفرنسا وواشنطن.
اللافت، أنّ الأوساط الإسرائيلية تنظر أيضا إلى السياق اللبناني الداخلي كعامل حاسم في تحديد نبرة الفاتيكان، فلبنان يعيش واحدة من أكثر مراحله هشاشة منذ تأسيسه: انقسام حاد بين القوى الداخلية، وتحديات اقتصادية غير مسبوقة، وهذا ما يجعل إسرائيل أكثر قلقا، إذ ترى أن أي إشارة إلى دعمٍ لمفهوم "الحياد اللبناني" أو إلى "ضرورة حماية التعددية الدينية"، قد تُستثمر ضدها في الخطاب الإقليمي، باعتبارها دولةً تهدد هذا النموذج التعددي.
وتختم المصادر، أما على المستوى الأمني، فتتعامل إسرائيل مع الزيارة بوصفها "حدثا استثنائيا عالي الحساسية". فالمسافة بين بيروت والحدود الشمالية قصيرة ،بما يكفي لتجعل أي تحرك ديبلوماسي أو شعبي في العاصمة اللبنانية موضع رصد استخباري دقيق، حيث تفيد تسريبات إعلامية بأنّ أجهزة الأمن الإسرائيلية تدرس سيناريوهات محتملة لأي انعكاسٍ ميداني للزيارة، سواء في الجنوب اللبناني أو في الأراضي الفلسطينية، حيث قد تستغل فصائل مختلفة المناسبة لإطلاق رسائل رمزية ضد "إسرائيل".
هكذا، وبين الرسائل المبطّنة، والقراءات المتشابكة، ومحاولات تل أبيب ضبط الصورة قبل أن تتشكّل في الإعلام والرأي العام الغربي، تتحوّل زيارة البابا إلى بيروت من حدث بروتوكولي إلى تحدٍّ سياسي لإسرائيل، تحدٍّ يدفعها إلى حسابات دقيقة، وربما إلى خطوات استباقية، في محاولة لتقليل الخسائر المعنوية قبل أن تقع.
عليه، فإن الزيارة البابوية المرتقبة إلى لبنان تحمل في طياتها اختبارا جديدا للعلاقة بين الدين والسياسة في الشرق الأوسط. فحين تطأ قدما الحبر الأعظم أرض لبنان، ستتلاقى في اللحظة ذاتها ثلاثة مسارات: المسار الروحي الذي يمثّله الفاتيكان، المسار الوطني الذي يعكسه لبنان المتأرجح على حافة أزماته، والمسار الأمني الذي تراقبه تل أبيب بعيونٍ مفتوحة وقلوب متوجسة. تداخل بين الإيمان والسياسة، بين الصلاة والحسابات، تتكشف صورة الشرق الأوسط على حقيقتها: منطقةٌ لا تزال تبحث عن سلامها بين جدران الخوف.

alafdal-news
