كريستال النوّار - خاصّ الأفضل نيوز
في 25 تشرين الثاني من كلّ عام، يتجدّد النقاش في العالم حول العنف ضدّ المرأة. فماذا عن لبنان؟ هنا، يأخذ هذا اليوم طابعاً مختلفاً إذ يُشكّل مساحة للقول إنّ ما تعيشه النّساء ليس عبارة عن ملفّاتٍ تُناقَش فقط، بل تجارب يوميّة بين الصّمت والخوف والبحث عن الأمان.
وتزامناً مع اليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة، أصدرت الأمم المتحدة تقريراً أظهر أن 83 ألف امرأة وفتاة قُتلن عمداً العام الماضي. ويلفت التقرير إلى أنّ 60 في المئة منهنّ قتلن على أيدي شركاء حميمين أو أفراد أسرهن - أي 50 ألف امرأة وفتاة أو ما يُعادل 137 حالة قتل يوميًّا في المتوسط. في المقابل، نسبة جرائم القتل التي ارتكبها شركاء حميمون أو أفراد الأسر بحق الذكور بلغت 11 في المئة فقط.
في هذا الإطار، تُشير مديرة قسم السياسات لدى هيئة الأمم المتحدة للمرأة، إلى أنّ جرائم قتل النساء لا تحدث بشكل منعزل، بل غالباً ما تكون "امتداداً لسلسلةٍ متواصلة من العنف، تبدأ بسلوكيّات التحكم والتهديدات والمضايقات، بما في ذلك عبر الإنترنت"، لافتةً إلى أنّ "حملة الـ16 يوماً من النشاط ضد العنف القائم على النوع الاجتماعي" هذا العام تؤكّد أنّ العنف الرقمي لا يقتصر غالباً على الإنترنت، بل قد يتفاقم إلى أسوأ السيناريوهات، بما في ذلك الإيذاء المُميت.
وفق الأمم المتحدة، "لكلّ امرأة وفتاة الحقّ في الأمان بكلّ جانب من جوانب حياتها، وهذا يتطلّب أنظمة تدخّلٍ مبكر. ولمنع هذه الجرائم، نحتاج إلى تطبيق قوانين تُدرك كيف يتجلّى العنف في حياة النساء والفتيات، سواء عبر الإنترنت أو خارجه، وتُحاسِب الجناة قبل أن يتحوّل الأمر إلى جريمة قتل".
هذه الأرقام عالميّة، فماذا عن لبنان؟ في العام 2025 وفي مجتمعنا الذي يعتبر نفسه متقدّماً، لا يزال العنف ضدّ المرأة واحداً من أكثر الانتهاكات انتشاراً وصمتاً في بلدنا.
فبحسب تقرير الهيئة الوطنية لشؤون المرأة لشهر آب من العام الحالي، تمّ تلقّي 102 شكوى عنف أسري عبر الخط الساخن 1745، منها 90 عنفاً جسدياً، حالتي عنف جنسي، و10 عنف معنوي.
كذلك، أتت الشكاوى من حالات العنف الأسري المبلغ عنها في أيلول، على الشّكل الآتي: عنف جسدي 97، عنف جنسي 0، عنف معنوي 8، عنف اقتصادي 0 ، وغير ذلك 0. صفة الجاني/ة بالنسبة إلى الضحية: الزوج 65، الأب 15، الأم 2، الأخوة 9 وغير ذلك 14.
ويشمل هذا التقرير الشهري، وفق الهيئة الوطنية لشؤون المرأة، عدد الاتصالات المتعلّقة بحالات العنف الجسدي والجنسي والنفسي والاقتصادي التي تتلقاها القوى الأمنية عبر الخط الساخن 1745 والتي يتمّ التبليغ عنها من قبل الضحية أو أفراد الأسرة أو كلّ من يشهد عليها، بالإضافة إلى تحديد هوية الجاني أو الجانية بالنسبة إلى الضحية.
المشهدُ ليس سوداويًّا بالكامل. فحملات التوعية، نشاط الجمعيات، التغطية الإعلاميّة، وتحرّك بعض النّساء، كلّها خطوات جعلت الناس أكثر استعداداً للاستماع وفهم خطورة العنف الأسري. فلم يعد الحديث عنه "تابو" كما كان سابقاً، والمرأة المبلّغة لم تعد تُلام كما كان يحدث في الماضي.
أصبح الاعتداءُ قضيّة مجتمعيّة وليس "شأناً عائليًّا" فقط، وهذا التحوّل في الوعي، وإن بدا بطيئاً، إلا أنّه أساسيّ في معركة التغيير. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى الدور المهمّ الذي تؤدّيه الدولة في هذا الإطار، فهي مدعوّة إلى تعزيز آليات الحماية وتدريب القوى الأمنيّة وتفعيل المحاكم المختصّة وتوفير مراكز لجوء أكثر عدداً وتجهيزاً وأماناً.
الوعي وحده لا يكفي، والمطلوب هو إرادة واضحة من الدولة. فعلى الرّغم من أهميّة قانون حماية النساء من العنف الأسري، إلا أنّ تنفيذه ما زال غير كافٍ. الإجراءات بطيئة، ولا يمكن التغاضي عن التفاوت في التعاطي مع الملفّات في بعض الحالات، بالإضافة إلى وجود نقصٍ في التدريب يجعل الحماية على الورق أقوى منها على أرض الواقع. ويأتي الضّغط الاقتصادي ليزيد هشاشة النساء ويحدّ من قدرتهنّ على الخروج من البيئات الخطرة.
أخيراً، اليوم الدولي للقضاء على العنف ضدّ المرأة ليس مناسبةً للشّعارات والمُبالغة، بل للتذكير بأنّ كلّ خطوة لحماية امرأة هي خطوة لحماية مجتمعٍ كامل. ويبقى موضوع العنف عموماً، اختباراً حقيقيًّا لمدى نضج المجتمع وقوّة مؤسّساته.
فالأرقام ليست مجرّد بيانات، بل مؤشّر واضح إلى أن النساء بشكلٍ خاص، ما زلن يبحثن عن أمانٍ يُفترض أن يكون بديهيًّا انطلاقاً من حقوق الإنسان المُعترف بها عالميًّا.. وإنسانيًّا!

alafdal-news
