طارق ترشيشي - خاصّ الأفضل نيوز
بعد مرور عام على سقوط النظام السوري السابق الذي حكم البلاد لأكثر من خمسة عقود يبدو أن سوريا ما تزال في مواجهة تحديات كبرى، إذ على رغم من التحول الجذري الذي شهدته فإنها تجد نفسها على مفترق طرق مصيري وتاريخي بين ماضٍ من الدمار والانقسام ومستقبل محفوف بالشكوك والمخاطر، فيما مواقف الدعم العربي الدولي لها تتعالى من هنا وهناك.
على الصعيد السياسي وفي ظل البحث عن هوية جديدة للدولة يسعى النظام الجديد برئاسة أحمد الشرع، إلى ترسيخ شرعيته وتحويل السلطة من قيادة هيئة مسلحة إلى حكم دولة. وقد خطا الشرع بعض الخطوات في هذا الاتجاه عندما دعا إلى حوار وطني شامل لوضع أسس للنظام سواء كان رئاسيًّا أو برلمانيًا، ووضع دستور جديد للبلاد قد يستغرق إنجازه سنتين إلى ثلاثة سنوات، حسب قول الشرع نفسه. ولكن هذه العملية لا تزال ضبابية فيما تشهد سوريا صحوة سياسية لم تعرفها منذ عقود، وتتجاذبها تيارات وأحزاب ناشئة ورغبة عميقة في عدم تكرار تجربة النظام السابق .
وعلى الصعيد الأمني فإن الاستقرار ما زال هشا وتزيد من هشاشته فوضى موروثة، إذ على الرغم من جهود السيطرة الكبيرة التي تبذلها السلطة الجديدة، لا يزال المشهد الأمني غير مستقر حيث تواجه الحكومة ثلاثة تحديات رئيسية هي الآتية:
ـ أولا، ما يسمى "الثورة المضادة" و"فلول النظام السابق" ، حيث شهدت منطقة الساحل اقتتالا في آذار 2025، قالت السلطة الجديدة إنه تسببت به هجمات شنتها مجموعات موالية للنظام السابق، مما أسفر عن مقتل مئات من قوات الأمن والمدنيين وتخللتها أعمال انتقامية. وعلى رغم من تراجع حدة هذه الهجمات، فإن السلطة ما تزال تتحدث عن استمرار تسلل بعض عناصر النظام للانضمام إلى قوات سوريا الديموقراطية (قسد) في الشمال الشرقي لسوريا، مما يزيد من تعقيد العلاقة بين الأخيرة والسلطة في دمشق.
ـ ثانياً، النزاعات الداخلية حيث إن دمج الفصائل العسكرية المتنوعة، ولا سيما منها "قسد" في الدولة، يشكل أحد أكبر التحديات. وعلى رغم من التفاهم الذي حصل بين الشرع وقائد "قسد" مظلوم عبدي، فإن الاشتباكات المتقطعة لا تزال تحصل بين الجانبين من حين إلى آخر. فضلا عن أن استمرار الوجود العسكري التركي والأميركي والروسي على الأراضي السورية ما زال يعيق السلطة الجديدة عن بسط سيادتها الكاملة على البلاد.
ـ ثالثا، المجموعات المتطرفة، حيث لا يزال تنظيم "الدولة الإسلامية في سوريا والعراق" (داعش) يشكل تهديدًا كبيرا خصوصا في دير الزور والسويداء، حيث يستغل الثغرات الأمنية ويشن هجمات متفرقة على قوات النظام الجديد. كما أن المتغيرات السياسية المتلاحقة قد توفر له المبررات لتجنيد عناصر جديدة من المعارضين للسلطة الجديدة.
أما على الصعيدين الاقتصادي والاحتماعي فإن سوريا مهددة بكارثة إنسانية ينبغي تداركها، حيث يصف البعض الوضع الاقتصادي بأنه "كارثي" لأن غالبية السوريين يعيشون تحت خط الفقر ويعانون من انعدام الأمن الغذائي. وقد بلغ التضخم مطلع 2025 نسبة 79%.
ولكن، على الرغم من ذلك تظهر بعض المؤشرات الاقتصادية الأولية الإيجابية، أبرزها عودة سوريا إلى تصدير النفط بعد توقف دام 14 عامًا، حيث صدرت في أيلول الماضي شحنة مقدارها 600 ألف برميل من ميناء طرطوس، ولكن استمرار هذا التصدير يبقى مرهونا بالاتفاق بين الحكومة و "قسد" التي تسيطر على الحقول النفطية الرئيسية في البلاد، وكذلك باستكمال رفع العقوبات الدولية المفروضة منذ أيام النظام السابق.
أما على صعيد العدالة والمصالحة الوطنية فإن ملف المعتقلين والمفقودين الذين يربو عددهم على 100 ألف شخص، والانتهاكات الجسيمة التي ارتكبت خلال سنوات الحرب يشكلان جرحاً عميقا في جسد المجتمع السوري، فيما المصالحة الوطنية تواجه صعوبات كبيرة زادت منها أخيرا موجة من الغضب الشعبي والاغتيالات التي حصلت، ما يقد يؤخر بناء الثقة وإرساء قواعد للمساءلة والمصالحة لسنين.
وفي أي حال فإن سوريا بعد التحول الكبير الذي شهدته قبل عام تواجه معادلة بناء مستقبل مستقر على أنقاض دولة منهكة؛ فالطريق إلى التعافي قد يكون طويلا وشاقا، والنجاح في هذا الاتجاه يبقى مرهوناً بقدرة السلطة الجديدة على تحقيق توازن بين العدالة الانتقالية والاستقرار الأمني، وبين الوحدة الوطنية والتنوع، وبين الحاجة الملحة لإعادة الإعمار ورفع القيود المفروضة بفعل العقوبات والإرث الاقتصادي المدمر. إلا أن هناك مؤشرات إيجابية مع بدء عودة النازحين ورفع العقوبات الدولية وتصاعد المواقف العربية والدولية الداعمة التي تفتح للسوريين نافذة أمل، ولكن إغلاق هذه النافذة يبقى احتمالًا قائمًا في حال فشلت السلطة الجديدة والمجتمع الدولي في تلبية مطالب الشعب السوري في الأمن والعدالة والعيش الكريم.
وفي نهاية المطاف إن مستقبل سوريا، يبقى مرهونا بقدرتها على عبور المرحلة الانتقالية إلى استقرار دائم سياسيًّا وأمنيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا.

alafdal-news
